إياد قنيبي | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | إياد عبد الحافظ قنيبي |
| الميلاد | السالمية، الكويت؛ شوال 1395هـ / 22 أكتوبر 1975م |
| البلد | الأردن |
| المهنة | بروفيسور في علم الأدوية |
| التخصص | علم الأدوية، وبناء اليقين، ونقد الإلحاد والمادية |
| أبرز الأعمال | القائمة…[إظهار][إخفاء]
|
| القسم | دعاة وعلماء |
| الفئات | أهل السنة |
الأستاذُ الدكتور، الباحثُ المدقق، الداعيةُ المربّي، بانِي اليقين في جيلٍ حاصرته الشبهةُ من كل باب: إياد عبد الحافظ قُنيبي، وُلد بالسالمية من الكويت في شوال 1395 هـ، الموافق 22 من أكتوبر 1975 م، من أسرةٍ أردنية أصلُها من الخليل، ونشأ بعمّان.
رجلٌ من طينةٍ نادرة في هذا الجيل: جمع الله له رصانةَ العالِم المتخصص في العلوم التجريبية، ورقةَ الواعظ المشفق على القلوب؛ فهو في محراب بحثه أستاذٌ في علم الأدوية يَزِن الدليل بميزان أهله الصارم، وفي ميدان دعوته مربٍّ يُخاطب الوجدان بلغة الروح.
وأدواتُه في هذا البلاغ ثلاث: دقةٌ استقصائية في المعلومة لا يتساهل فيها ولو بدت في نصرة قوله، وقدرةٌ فائقة على تبسيط غوامض العلوم حتى يستوعبها شابٌّ لم يقرأ في بابه كتاباً، وحرارةٌ صادقة في العبارة لا تُصطنع ولا تُستعار.
وأما ما غلب على شيمته فخصلتان شريفتان: هَمٌّ بأمته ورسالتها يسبق همَّه بنفسه حتى في أضيق أحواله ومحنه، وشغفٌ متقدٌ ببناء اليقين في صدور الحائرين حتى غدت نصرةُ «اليقين» عنوانَ مشروعه وثمرةَ عمره كله.
ومشروعه بيّنٌ لا يحتاج إلى تفسير: أن يخرج الشابُّ المسلم من دائرة التشكيك إلى دائرة الطمأنينة، عن علمٍ لا عن تقليد، وعن برهانٍ لا عن عاطفة؛ فيُحبَّ اللهَ ورسولَه، ويعتزَّ بدينه اعتزازَ العارف لا اعتزازَ المتعصب، ويملكَ من أدوات النظر ما يردُّ به الشبهةَ قبل أن تستقر. ولذلك سمّى أشهرَ ما أنتج «رحلة اليقين»، وهو اسمٌ يصف صاحبه قبل أن يصف مادته.
وموضعه من تاريخ جيله أنه كان في طليعة الفرسان الذين نهضوا للرباط على ثغرٍ بالغ الخطورة والحساسية؛ فقد اجتاحت شاشاتِ الشباب موجاتٌ عاتية من الإلحاد المعاصر والمادية التي تدثرت زوراً بعباءة «العلم التجريبي».
ورغم وجود جهودٍ دعوية مباركة تصدت لهذا السيل، إلا أن الساحة كانت في أشدّ الحاجة إلى تخصصٍ أكاديميٍّ دقيق يُقارع الخصمَ بسلاحه الذي يتبجح به؛ فكانت ميزته التي تكاملت مع جهود إخوانه من حُماة الهوية، أنه يحمل الرتبة العلمية من إحدى أقوى المؤسسات العلمية في أميريكا، وخبيراً بكيفية قراءة الأوراق البحثية المحكّمة، يفرّق للشاب الحائر بين «الرصد العلمي المشاهَد» و«التأويل الفلسفي المادي المقحم عليه».
فصار يخاطب عقلَ الشاب بلسان الأستاذ المتمرس: قد سلكتُ هذا الدرب العلمي، وقرأتُ أصول ما قرأوا، وخبرتُ لغة المجلات والمختبرات التي يتباهون بها، ثم وقفتُ على تهافت دعاويهم بالبرهان الأكاديمي الرصين؛ فكان صنيعه هذا سياجاً علمياً نوعياً شدّ به أزرَ إخوانه في الميدان، وثبّت به أقدامَ جيلٍ كامل أمام رياح التشكيك.
وهذا ميزانه مجملًا: داعيةٌ صادقٌ من أهل السنة، عالمٌ متمكن في صنعته الدنيوية، صاحبُ أثرٍ في تثبيت جيلٍ كامل على دينه، امتُحن في حريته فصبر، وامتُحن في ولده فسلم ورضي، وامتُحن بالشهرة فما استعملها لنفسه.
محتويات
- 1 بيتٌ من الخليل، وطفلٌ في عمّان
- 2 شريطٌ كل جمعة
- 3 هيوستن: أربع سنوات ومعدّلٌ تام
- 4 منبرُ مصعب بن عمير
- 5 حين أُغلق المنبر فُتحت الشاشة
- 6 في سجن الموقّر
- 7 يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي
- 8 رحلة اليقين
- 9 بعد الطوفان
- 10 الخيط الذي يجمع سيرته كلها
- 11 ما رُمي به بغير حق، ودفعه
- 12 ما يُؤخذ عنه وفي أي باب
- 13 الخلاصة النهائية
- 14 سجل المصادر
بيتٌ من الخليل، وطفلٌ في عمّان
في السالمية من الكويت كان المبتدأ. وُلد إياد عبد الحافظ قنيبي لأسرةٍ أردنية أصلُ والديه من مدينة الخليل بفلسطين، ثم انتقلت الأسرةُ إلى عمّان وهو طفل، فكانت عمّان مدينتَه التي نشأ فيها وتعلّم بها وأقام فيها عمرَه كلَّه بعد ذلك.
وليست هذه القضية عارضاً هامشياً في ترجمته؛ فالرجل ابنُ أسرةٍ فلسطينية هُجِّرت عن ديارها، نشأ في الأردن على مرمى حجرٍ من بيت المقدس، يرى وطنه السليب الذي يعرف أهلُه دروبه ولا يملكون بلوغه. ومن رضع هذا الوجع صغيراً، لم يحتج إلى من يُعلّمه مكانة فلسطين، ولا إلى من يُقنعه بأن مصاب أيِّ مسلمٍ هو مصابه الشخصي.
ومن هذا النبع تفهم سريانَ حقيقة «الجسد الواحد» في وجدانه ومسيرته؛ فتراه يفيض حرقةً وألماً لجوع المحاصرين في غزة كأنه يبيت معهم على الطَّوَى، ويتحرّق لنصرة المستضعفين في سجون الشام كأنه يتقاسم معهم وحشةَ القيد، ويهبُّ لمواساة المكروبين في حرائق الجزائر وسائر بلاد الإسلام وإن باعدت بينه وبينهم الديار؛ فما حُبست غيرتُه يوماً داخل حدودٍ جغرافية، ومن أراد أن يفهم سرَّ هذا الوجدان الحيِّ والهمِّ الشامل بالأمة، فليبدأ من ههنا.
وظهرت فيه أداةُ البيان مبكرة. ففي سنة 1993 م (1414 هـ)، وهو فتًى لم يجاوز الثامنة عشرة، نال جائزة أمانة عمّان الكبرى في الشعر. فتأمل: أولُ ما عُرف به هذا الرجل بين الناس لم يكن فتوى ولا محاضرة، وإنما قصيدة. والذي يُحسن الشعر في هذه السنّ يملك بالفطرة ما ينفقه بعد ذلك في كل منبر يصعده: اختيارَ اللفظ، وضبطَ الإيقاع، ومعرفةَ الموضع الذي تقع فيه الجملة من قلب سامعها. ولو لم يكن في نشأته إلا هذا لكان مفتاحًا لفهم أسلوبه كله.
شريطٌ كل جمعة
دخل كلية الصيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وهي من أعرق كليات الصيدلة في المشرق العربي. وتخرّج فيها بتقديرٍ ممتاز مع مرتبة الشرف، والأولَ على دفعة الخريجين للفصل الأول من العام الدراسي 1997-1998 م (1418 هـ). فهو من أهل التفوق لا من أهل الكفاف، وهذا يُذكر لأنه سيتكرر: ما دخل الرجلُ بابًا علميًّا إلا خرج منه في الصف الأول.
وفي سنة 1418 هـ (1997 م)، وهو بعدُ طالبٌ في كلية الصيدلة، بدأ ما غدا مدرستَه التأسيسية الكبرى في بناء الوعي الشرعي؛ إذ أطلق مع ثلةٍ من إخوانه ما عُرف بـ «مشروع الشريط الأسبوعي»؛ يقوم على انتقاء مادةٍ صوتية متميزة لأحد كبار العلماء أو الدعاة، وتوزيعها على رواد المساجد بعد صلاة الجمعة.
مشروعٌ يبدو متواضعاً في ظاهره، لكنه كان عظيمَ الأثر في صقل شخصيته وبنائه الذاتي؛ فالانتقاءُ الرشيد لا يتأتى إلا بعد طول سماعٍ وفحصٍ متأنٍّ. ومسيرةُ هذا التلقي امتدت زهاء ثلاث عشرة سنة (حتى حدود عام 1431 هـ / 2010 م)؛ تخللتها أربعُ سنواتٍ قضاها في الولايات المتحدة الأمريكية لإتمام دراسة الدكتوراه في علم الأدوية، وإن كان قد انقطع فيها عن التوزيع الميداني للأشرطة بحكم سفره، إلا أن نَهَمَه في السماع لم ينقطع قط؛ بل حوّل غربته ومسافات تنقله هناك إلى صومعةٍ علمية استمع فيها إلى مئات الساعات والمواد الدعوية المسجلة.
فقف عند حصيلة هذا الدأب الطويل؛ ثلاثةَ عشرَ عاماً بين انتقاءٍ ميدانيٍّ في الأردن وسماعٍ مكثفٍ في الغربة، عكف خلالها على سماع كثير من الأشرطة والمحاضرات في العقيدة، والتفسير، والفقه، والرقائق، والفكر الإسلامي لعشرات العلماء والمربين؛ فكانت تلك الساعاتُ الطوال هي «مدرستَه الموازية» التي بَنَت مخزونه المعرفي، وشحذت ملكةَ بيانه، وأكسبت خطابه ذلك المزيجَ الفريد بين عمق التأصيل ورقة الموعظة.
وههنا يُفهم الرجل. فإن الذي يُنفق ثلاث عشرة سنة يسمع ليختار لغيره لا ليتكلم هو، يبني في نفسه ما لا تبنيه الشهادات: ذائقةً في الكلام تعرف الغثَّ من السمين، وسعةَ اطّلاع على المدارس والمذاهب والأساليب، وتواضعًا في الطلب لا يعرفه من بدأ من فوق. فلما تكلّم بعد ذلك كان يتكلم عن رصيدٍ لا عن ارتجال. قراءةٌ في كتب التفسير والسيرة عُني بها عنايةً خاصة، وسماعٌ ملازِم للدروس والسلاسل، ودوراتٌ حضرها.
وبعد التخرج عمل في الشركة الأردنية لإنتاج الأدوية سنةً ونصف السنة، في قسم البحث والتطوير وقسم المعلومات الدوائية. فدخل الصناعة من بابها العملي قبل أن يدخل الجامعة من باب التدريس، وذلك مما يُكسب صاحبه معرفةً بالدواء من جهة صناعته لا من جهة كتابه فقط.
هيوستن: أربع سنوات ومعدّلٌ تام
في سنة 1999 م (1420 هـ) سافر إلى الولايات المتحدة بمنحةٍ كاملة من جامعة هيوستن في ولاية تكساس، ليتابع الدكتوراه في علم الأدوية.
وأربعُ سنواتٍ قضاها هناك خرج منها سنة 2003 م (1424 هـ) بدرجة الدكتوراه بتقديرٍ ممتاز، وبمعدّلٍ تام 4.0 من 4.0، وبالترتيب الأول على طلاب الدكتوراه من الجنسيات المختلفة. وأجرى بحثه في مركز تكساس الطبي، وهو أكبر مركز بحثي طبي في أمريكا ومن أكبرها في العالم، في مجال نظرية المستقبلات الخلوية، وهي فرعٌ دقيق من علم الأدوية، لا يخلو من تعقيد وصعوبة. فليس هذا رجلًا حصّل شهادةً من جامعةٍ مغمورة ثم عاد يتصدر بها؛ هو رجلٌ نازل الميدانَ في عقر داره، وأخذ أعلى ما يُعطى فيه.
وفي السنة الثانية من إقامته هناك وقعت أحداثُ 11 سبتمبر 2001 م (جمادى الآخرة 1422 هـ)، فانقلبت الدنيا على المسلمين في أمريكا خاصة. شابٌّ عربيٌّ ملتزم، في جامعةٍ أمريكية، في السنة التي صار فيها اسمُ الإسلام تهمةً في الشارع الغربي كلِّه. ومن نجا من هذه التجربة بدينه لم يخرج منها كما دخلها: خرج يعرف الغربَ من داخله لا من كتب الوصف، ويعرف كيف يُخاطَب أهلُه، ويعرف كيف تُصنع الصورة وكيف تُهدم. وستجد أثر هذه السنوات في كل حلقةٍ سجّلها بعد ذلك عن الحضارة الغربية والمادية والإلحاد؛ يتكلم فيها كلامَ من رأى، لا كلامَ من سمع.
ولم يكن هناك طالبَ علمٍ دنيوي فحسب. خطب في مساجد عديدة بالولايات المتحدة، فجمع بين مختبر الأدوية ومنبر الجمعة وهو في بلاد الغربة. فلله درّه من شاب: يزاحم في الدكتوراه على المرتبة الأولى، ويقوم في الناس خطيبًا، ولم يبلغ الثلاثين.
وقد أتيحت له فرصة البقاء في الولايات المتحدة والعمل في مختبراتها ضمن برامج ما بعد الدكتوراه (Post-Doctoral) لكنَّه فضل العودة إلى الأردن، خاصة مع ارتباطه الوثيق بعائلته و والده الذي كان يعاني من مرض أنهكه.
وقد روى د. إياد بعض ذكريات تلك الفترة في أمريكا في لقاء ممتع مليوني بعنوان: تجربة الدراسة في أمريكا مع إياد قنيبي
منبرُ مصعب بن عمير
عاد إلى عمّان، فبدأ حياته الأكاديمية أستاذًا. درّس كمحاضر متفرغ أو غير متفرغ في كل من الجامعة الأردنية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، وجامعة العلوم التطبيقية، وجامعة مؤتة، وجامعة جرش، يحاضر في علم الأدوية وعلم الصيدلة السريرية والمداواة وعلم السموم وحركية الدواء.
وفي هذه السنوات نفسها صعد المنبر. خطب في مسجد مصعب بن عمير بعمّان سنواتٍ متصلة، وكان يخطب فيه إلى كانون الثاني من سنة 2010 م. وفي تلك الفترة ألقى في المساجد سلسلة «إسلامنا أم حضارتهم»، تناول فيها الحضارة الغربية في مقابل الإسلام، وسلسلة «هذا النفاق فاحذروه». وأكثرُ الناس يعرفونه اليوم من الشاشة، والذين عرفوه أولًا إنما عرفوه من هذا المنبر الصغير في حيٍّ من أحياء عمّان.
وفي سنة 2009 م (1430 هـ) نال شهادة حفظ القرآن الكريم بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم برواية حفص عن عاصم، على يد الشيخ عبد الرحمن بن علي المحمود، وكان قد حصل قبلها على إجازةٍ بقراءة القرآن بالرواية نفسها.
وله كتيّبٌ مختصر بعنوان «ظاهرة المبالغات في مرويات العبادة والورع».
ثم جاء المنع. أُوقف عن الخطابة أربع مرات، ثم اعتقلته دائرة المخابرات العامة في محرم 1431 هـ (يناير 2010 م) تسعة عشر يوماً دون تهمة محددة، وخرج فلم يُسمح له بالعودة إلى المنبر. وقد بلغ يومئذٍ الرابعة والثلاثين، وكان قد أنفق سبع سنين في الخطابة بعد عودته من أمريكا.
حين أُغلق المنبر فُتحت الشاشة
أُغلق بابٌ ففتح الله له بابًا أوسع منه. في ربيع الأول 1433 هـ (فبراير 2012 م) أُنشئت قناتُه على يوتيوب، فانتقل من مسجدٍ يسع مئاتٍ إلى منصةٍ تسع الأرض كلها. وكانت له قبل انتقاله إلى الشاشة شعبيةٌ واسعة في مدن الأردن، وكان الناس يأتون من مدنٍ أخرى لسماع خطبه، فلم يكن أثرُ منبره محصورًا في عمّان.
وفي هذه المرحلة تشكّل خطابُه على الوجه الذي عُرف به: سلاسلُ مرتّبة لا مقاطعُ متفرقة، لكنها لم تكتمل بعد. وهذه أشهر ما بنى في هذه السنوات:
- سيكولوجيا الانحراف: من أوائل سلاسله المنشورة، وقدّم منها ثلاث حلقات.
- رحلة اليقين: بلغ المنشور منها سبعين حلقة في بناء اليقين، وبيان دلائل وجود الخالق، ونقد الإلحاد والمادية، ونقض نظرية التطور.
- كن عزيزًا بإسلامك: ثلاث عشرة حلقة في الاعتزاز بالهوية الإسلامية ورفع عقدة النقص أمام الحضارة الغالبة.
- كيف أحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبع حلقات في محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف بسيرته.
- بالقرآن نحيا: ثماني وعشرون حلقة في تنزيل القرآن على الواقع اليومي.
- نصرةً للشريعة: ثلاثون حلقة في التأصيل لمرجعية الشريعة والتحذير من التمييع في أمرها.
- سلسلة المرأة: إحدى وعشرون حلقة في تعزيز هوية المرأة المسلمة وجعْلِها تعتز بدينها وتطمئن إلى شريعة ربها عز وجل.
- الحرب على الفطرة: تسع عشرة حلقة تحذر من التآمر على الأطفال والأسرة تحت ستار حماية الأطفال وتبين حقيقة المنظمات الدولية.
في سجن الموقّر
وفي يونيو 2015 م اعتُقل بعد نشر كلمته «الأردن والإسراع نحو الهاوية»، التي أنكر فيها منكراتٍ رآها في بلده، وأُودع سجن «الموقّر 2»، وقضى جانبًا من احتجازه في الانفراد. ثم خُفِّض الحكم عليه إلى سنة، وأُفرج عنه في مايو 2016 م.
وأولُ ما كتبه بعد خروجه لم يكن شكوى ولا تعدادَ ما لقي. كتب: «مرّت أربعون عامًا من عمري... تقلّبتُ خلالها في نعم الله عز وجل... في حلمه وكرمه وستره ورحمته». رجلٌ خرج لتوّه من السجن، فكان أولَ ما جرى على قلمه تعدادُ النعم. فما أحوجنا إلى مثل هذا القلب في زمنٍ يشكو أهلُه من ضيق الرزق وهم في بيوتهم.
يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي
بعد عام من خروجه من السجن، نزل به ما هو أثقلُ من السجن. كتب في حسابه: «سارة ابنتي البكر ستخضع غدًا لعمليةٍ جراحية كبرى بإذن الله، أطلب منكم أيها الكرام الدعاء بظهر الغيب لها ولمرضى المسلمين والمستضعفين في كل مكان». فاقرأ آخر السطر مرةً ثانية: أبٌ يُبلَّغ بأن ابنته البكر تدخل غدًا غرفة العمليات، فيطلب الدعاء لها ولمرضى المسلمين جميعًا. لم يستأثر بالدعاء لبنته وحدها، وهو في اللحظة التي يُعذر فيها كلُّ أب.
وامتدت المحنة سنتين. عشرون جلسةَ علاجٍ بالكيماوي، وخمس عشرة جلسةً بالأشعة، وثلاث عملياتٍ جراحية، ثم استشرى المرضُ بعد ذلك كله في رجلها وعظامها وغددها اللمفاوية ورئتيها. وفي أثناء هذه السنتين بعينها، في صفر 1440 هـ (أكتوبر 2018 م)، صدرت الطبعة السابعة من كتاب «Lippincott Illustrated Reviews: Pharmacology»، وهو من أوسع مراجع علم الأدوية انتشارًا في العالم، وعليها اسمُ إياد قنيبي واحدًا من ثلاثة مراجعين أكاديميين للكتاب، وحده من العرب بين خمسين مؤلفًا وثلاثة مراجعين كلُّهم يعملون في الولايات المتحدة، وقد أُدرج اسمُه بعد أن صحّح للكتاب عددًا من أخطائه العلمية.
فضع الصورتين متجاورتين: اسمُ الرجل يُطبع على غلاف مرجعٍ عالمي في الأدوية يقرؤه طلبةُ الطب في الدنيا كلها، وابنتُه في تلك الأيام نفسها تتنقل بين غرف العلاج في عمّان.
ثم كان المشهد الذي يُعرَّف به الرجل. في العشر الأواخر من رمضان 1440 هـ (أواخر مايو ومطلع يونيو 2019 م)، سجّلت ابنته سارة -رحمها الله- حلقتين من سلسلةٍ أرادت أن تقدّمها، سمّتها «الهدف من الحياة»، وتولّى والدُها مونتاج الحلقتين. وكانت يومئذٍ قد خرجت لتوّها من ذلك العلاج كله، ومع هذا ظهرت في الحلقة مبتسمةً حتى أقنعت من رآها أنها «ما فيها شيء»؛ وكانت قوية الشخصية تكره أن يُنظر إليها بشفقة. وقُدِّر للسلسلة نحوُ سبع حلقات، فكانت تسابق المرض لتُتمّها. فلما نُشرت الحلقة الأولى كان نفَسُها قد ضاق فأُدخلت المستشفى. وكانت قبل وفاتها بأيام تدعو بأدعيةٍ كثيرة، وقد كتبت على جهازها اللوحي قائمةً من الأدعية لنفسها ولوالدها ولعمّها ولغيرهم؛ وكان من دعائها: «يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي».
وفي ليلة السبت 5 من شوال 1440 هـ، الموافق 8 من يونيو 2019 م، توفيت سارة إياد قنيبي عن ثلاث عشرة سنة، وصُلي عليها بعد ظهر ذلك اليوم في مسجد محمود عبد الجابر بعمّان. وكتب أبوها ينعاها: «عزائي يا حبيبتي أنكِ طفلةٌ مسلمة، فأرجو لكِ الجنة إن شاء الله تعالى. إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرضى ربُّنا. وإنا بفراقكِ يا سارة لمحزونون. والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا. اللهم اجعل ملتقانا الجنة».
قف عند هذه الأسطر وقفة. بنتٌ في الثالثة عشرة، في العشر الأواخر من رمضان، خرجت من عشرين جلسة كيماوي وخمس عشرة جلسة أشعة وثلاث عمليات، فجلست أمام الكاميرا تحدّث الناس عن الهدف من الحياة، ثم دعت ربها ألّا تخذلها حلقاتُها. وفي هذا المشهد حرصٌ منها على أن تنفع الناس بما تستطيع، رغم ما كانت فيه من المرض.
ثم جاء ما هو أعجب. فلما امتلأت الدنيا تعزيةً له وثناءً على صبره، كتب بعد أيام يقول: «عبر الأيام الماضية تفاعلتم يا كرام مع وفاة سارة وصبري كوالدٍ لها... جزاكم الله خيرًا... لكن دعونا نتذاكر أن سارة ليست أهمّ من أبناء المسلمين الذين يموتون في ظروفٍ أصعب، وأنها ليست أصبرَ طفلة، ولا أنا أصبرُ أب». وأتبع ذلك بقوله: «واعلموا إخواني أن الاهتمام بمعاناة المسلمين من أعظم أسباب التصبير والثبات عندما تتعرض أنت لبلاءٍ شخصي».
قلتُ: هذه كلمةُ رجلٍ لا يُتاجر بمصابه. ولو شاء لبقي شهرًا يُروى له وعنه ويُبكي الناس على ابنته، فما هو إلا أن استقبل العزاء حتى صرف وجوه الناس عن بنته إلى أبناء المسلمين. وقلَّ من يفعل هذا وهو يعلم ما يخسره.
وألقى كلمةً عند قبر ابنته سارة، تحدّث فيها عن الصبر وحسن الظن بالله ورجاء الاجتماع بالأحبة في الجنة. ونُشرت الكلمة على يوتيوب، وذكر أنه تلقّى شهاداتٍ كثيرة من أناسٍ أخبروه بتغيّراتٍ في حياتهم بعد سماعها.
رحلة اليقين
وكان قد أطلق أولى حلقات «رحلة اليقين» قبل تشخيص سارة بالمرض بسبعة عشر يومًا، ثم واصل السلسلة بعد التشخيص بفضل الله، حتى بلغ المنشور منها سبعين حلقة. وهي أوسعُ ما أنتج، وعمدتُه التي يُعرف بها في المشرق والمغرب. سلسلةٌ موضوعُها واحد وأبوابُها شتّى: دلائلُ وجود الخالق، والفطرةُ وشهادتُها، ونقضُ العشوائية والصدفة، ونقضُ نظرية التطور، وتزييفُ العلم حين يُستعمل غطاءً للأيديولوجيا، وبناءُ التفكير الناقد عند الشاب.
وقد صرفت هذه السلسلةُ آلةَ الرجل العلمية إلى بابها الذي خُلقت له، فكانت مصداقَ ما وعد الله به: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت]. فالذي يقرأ الورقة البحثية ويعرف كيف تُصمَّم التجربة وكيف تُقاس النتيجة، غيرُ الذي ينقل عن ناقل. ولذلك كان أثرُها في الشباب المتخصص في العلوم أظهرَ من أثر عشرين كتابًا في الرد؛ لأنها تخاطبهم بلغتهم، وتنقض عليهم من داخل الصنعة لا من خارجها.
ولم يترك بابَ الأسرة والفطرة. فأخرج حلقة «الجندر (النوع الاجتماعي): حقيقته وما وراءه»، وسلسلةً عن الحرب على الفطرة، وبيّن فيها كيف تُصنع المفاهيم ثم تُصدَّر بوصفها علمًا.
ثم جاءت سنةُ الوباء فأعطته ميدانًا يجمع فيه صنعتيه. أخرج سلسلة «كورونا» في أربع عشرة حلقة يشرح فيها للناس ما يجري بلسان أهل الاختصاص. ثم قاد بحثًا علميًّا كبيرًا نُشر في مجلة eLife في شوال 1442 هـ (مايو 2021 م)، عنوانه «A high rate of COVID-19 vaccine hesitancy in a large-scale survey on Arabs»، كان هو المؤلف الأول فيه، وشمل 36220 مشاركًا مؤهَّلًا للتحليل من 23 دولة عربية ومن 122 دولة أخرى. ونُشر له في السنة نفسها بحثٌ ثانٍ في مجلة Vaccines عن تردد العاملين في القطاع الصحي العربي. فصار هذان البحثان من أكثر ما استُشهد به من إنتاجه.
وبلغ رصيدُه العلمي مبلغًا يُذكر: نحو 1013 استشهادًا، ومؤشر h يبلغ 15، وبراءتا اختراع في مجال التئام الجروح، وإشرافٌ على أبحاث ماجستير. وأخرج كتابه «PharmMedTerm»، وهو دليلٌ مبسّط مصوَّر للمصطلحات الطبية التي تهم العاملين في مجال الصيدلة، مع شرحٍ بالعربية، بطريقة تحليلية تفكيكية مبتكرة تسهل فهم المصطلحات وسياقاتها. صدرت طبعته الأولى سنة 1441 هـ (2020 م). فهو في ميدانه أستاذٌ مأمونٌ فيما ينقل، وفي ميدان الدعوة داعيةٌ يُنتفع ببيانه؛ وقلَّ من يجتمع له الأمران.
وفي سنة 1443 هـ (2022 م) رُقّي إلى رتبة الأستاذية (Professor) أعلى رتبة أكاديمية في المجال، بعد أن كان رُقّي إلى رتبة الأستاذ المشارك. وفي رمضان من تلك السنة خاطب طلبةَ كلية الطب البشري في جامعة إدلب بمحاضرةٍ عبر الاتصال المرئي عنوانها «همٌّ يُشعل هِمّة». وقف على منبرٍ مؤقت في مدرَّج كلية طبٍّ في مدينةٍ محاصرة، يكلّم طلبةً يدرسون تحت القصف عن الهمّ الذي يُشعل الهمّة. فمن أراد أن يعرف أين يضع الرجلُ نفسَه فلينظر إلى المدرَّجات التي يقبل دعوتَها.
وفي هذه المرحلة أخرج كتبه التي انتشرت بين الناس:
- حسن الظن بالله: أشهرُ كتبه على الإطلاق، في تحويل البلاء إلى منحة وإحسان الظن بالله عند الشدة، وأصلُه سلسلةٌ مرئية في خمسٍ وعشرين حلقة.
- متعة التدبر: في تأمل القرآن وربطه بالواقع، وتعميق اليقين بأن الله تعالى أنزله بالفعل تبياناً لكل شيء.
- ندى تشتكي لعائشة: قصةٌ رمزية على لسان فتاةٍ تشكو ما تشكوه كثيرٌ من النساء في الحياة المادية، فتقيس حالَها بحال بيت النبوة؛ كتابٌ في باب المرأة يُكتب بأسلوب القصة لا بأسلوب الوعظ المباشر.
- رواية إيناس: كان قد ألفها في السجن، ولها أثر كبير في نفوس قرائها كما يظهر من تعليقاتهم على موقع goodreads.
- بشائر: صدر في ربيع الآخر 1445 هـ (نوفمبر 2023 م)، وهو تتمةٌ لـ«حسن الظن بالله»؛ ذاك في البلاء الشخصي وهذا في همّ المسلم لما يصيب أمته، جُعل في 115 محطة تُقرأ واحدةً كل يوم فتكون أربعة أشهر من الاستبشار.
- قبل أن يضرب السور: في ظاهرة النفاق وعلاماتها الخفية، وكيف يقع فيها المسلم من غير أن يشعر، وهو من أنفع ما كتب في محاسبة النفس.
وتُقرأ هذه القائمةُ على وجهها: رجلٌ يكتب في اليقين، وفي البلاء، وفي التدبر، وفي المرأة، وفي النفاق، وفي المصطلح الطبي؛ ما بين هذه الأبواب رابطٌ واحد هو بناءُ الإنسان من داخله.
بعد الطوفان
ولما وقعت الواقعة، وتفجّر «طوفان الأقصى» في ربيع الأول من عام 1445 هـ، تجلّى في خطاب الدكتور إياد قنيبي موقفٌ مبدئيٌّ صلب لا يداهن فيه ولا يتردد، فكان صوته في طليعة الأصوات الصادعة بالحق، المتصدية للذود عن حقوق أهل غزة وصيانة كرامتهم المستباحة بلسانٍ مبين وقلبٍ يفيض ألماً.
وجمع في بيانه بين لوعة المشفق وميزان العالم المنصف؛ فأقرّ بموضوعيةٍ دامية وحرقةٍ بالغة بفداحة الدمار وهول المقتلة والمعاناة الكبرى التي نزلت بالمدنيين الأبرياء، غير أنه أبى بحزمٍ أن يحمّل المدافعين عن أعراضهم وحرماتهم وزرَ إجرام المحتل وبطشه؛ إذ ليس في ميزان العقل ولا الشرع أن يُدان المظلوم على دفع الصائل، وتُبرَّأ يدُ الباغي العادي.
ورأى بنور البصيرة أن تلك الدماء الزكية قد مزّقت سائر الحجب، فأسقطت الأقنعة عن زيف «النظام الدولي» وتهافت مؤسساته العرجاء التي طالما تبجحت برعاية الإنسانية، حتى إذا بلغ الأمر دماء المسلمين ومقدساتهم أصابها الخرس والعمى.
وانطلق في مخاطبة الناس من أصلٍ عقديٍّ محوري لا يقبل المساومة؛ وهو أن أمن المسلمين وأمانهم كلٌّ واحد لا يتجزأ، وأن تلك الأسلاك الشائكة والحدود المصطنعة التي خطها الاستعمار لا وزن لها ولا حرمة في ميزان التنزيل، فإن المسلمين أمةٌ واحدة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم.
ومن هذا النبع صدع بتحذيرٍ بليغ يخلع القلوب من شؤم الخذلان، مبيناً أن السكوت على استباحة أهل غزة ليس تفريطاً في بقعةٍ محصورة، بل هو خطرٌ داهم يهدد أمن كافة بلاد المسلمين؛ فإن المستكبر المتربص إذا تُرِك ليستفرد بقطعةٍ من هذا الجسد تمددت نيرانه لتبتلع سائر الأطراف، تحقيقاً للمثل التاريخي السائر: «إنما أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض». وانطلاقاً من هذا الترابط المصيري المحتوم، قرر أن نصرة غزة ليست مجرد عاطفةٍ فائرة ولا تعاطفٍ عابر تمحوه الأيام، بل هي واجبٌ شرعيٌّ حتميٌّ تتقلد أمانته أعناق المسلمين جميعاً، كلُّ امرئ بما وسعه جهده وأطاقته وسيلته.
ووجّه رسالةً جامعة إلى من عجزت به الحيلة عن النصرة المباشرة؛ محذراً إياه أن يستسلم لعجز الإحباط أو ينكفئ على دنياه لاهياً متجاهلاً آلام إخوانه، بل الواجب يلاحقه ألا يرفع يده عن ميدان الإسناد بشتى الوسائل المتاحة: بالصدع بالبيان، وبذل المال، وصدق الدعاء، ومقاطعة الأعداء، ورباط الوعي. ولم يخلُ هذا الصدع بالحق من ضريبته؛ إذ تتابعت المخالفات الصارمة على قناته في «يوتيوب»، وحُذفت العديد من مرئياته المخصصة لهذا الشأن بتضييقٍ رقمي متعمد لمصادرة صوته، فما زاده ذلك إلا احتساباً وثباتاً، إذ علم أن للصدق في المحن ثمناً لا بد أن يُؤدى.
ولم يكن شأنه في أرض الشام بأقلَّ من ذلك؛ إذ برز الدكتور إياد داعماً صلباً ومنافحاً قوياً عن ثورة الشعب السوري وحقه في كسر نير الظلم، فلما تداعت قلاع الطغيان بعد حرمانٍ وبطشٍ استطال أربعةً وخمسين عاماً، استنهض همم المسلمين كافة لمشاركة أهل الشام فرحتهم الكبرى بتطهير بيوت الله ومساجده، وكسر أقفال الزنازين وإخراج المعتقلين المستضعفين، وتنسّم رياحين الحرية والكرامة.
وقد غرس له هذا الثبات محبةً متجذرة وثقةً بالغة في نفوس السوريين، فكان لكلمته في أرض الشام صدى يقع موقع القبول؛ ومن منطلق هذه الثقة الناصحة، أقبل عليهم بموعظةٍ مشفقة تحثهم على حياطة هذا النصر وصيانته بدوام شكر المنعم، ومجانبة الغفلة ومواطن المعاصي، محذراً إياهم بعبارةٍ بالغة الفقه أن «المعصية بعد الإنعام أقبح»، ومذكراً إياهم بأن رحى المكائد لم تنتهِ بعد، وأن استحقاقات حفظ النصر أشد بأساً من كسبه.
ثم تتابعت عليه حوادث الزمان بمصائب الفقد التي تصقل النفوس؛ ففي شوال 1446 هـ (أبريل 2025 م) وقف على قبر والدته رحمها الله باكياً داعياً، وسارت كلمته التي ألقاها على شفير القبر بين الناس تسري في القلوب مسرى الموعظة الحية؛ وكان قد وقف قبل ذلك بست سنين الموقف عينه على قبر ابنته البكر «سارة»، فجمع بين لوعة فقد الفرع وفقد الأصل. ومن وقف هذين الموقفين الجليلين اللذين تنخلع لهما القلوب، ثم لم يزدد إلا ثباتاً وتذكيراً للناس بالدار الآخرة ودلالةً على الله، فقد صدّق فعلُه قولَه، وبرهن على أن حديثه عن «حسن الظن بالله» لم يكن تنميقاً لسانياً يزول عند البلاء، بل كان حقيقةً ذوقية رسخت في سويداء قلبه فعاشها في أضيق محنه.
وامتدت بعد ذلك رسالته لتتجاوز أفق الإقليم ولسان العرب؛ فأنشأ قناةً عالمية ناطقةً باللغة الإنجليزية موجهةً إلى عموم الشعوب في الشرق والغرب، يخاطب بها المسلم ليثبته وغير المسلم ليدعوه ويجلي له حقائق الإسلام ويبدد عنه سحب التشويه. وتكامل هذا الجهد بحركة ترجمةٍ واسعة نقلت أمهات سلاسله ومقالاته إلى اللغات العالمية الحية: كالإنجليزية، والفرنسية، والتركية، والكردية، والإسبانية، والألمانية؛ حتى تمدد أثره الرقمي وصار مجموع متابعيه على منصات التواصل المختلفة يناهز سبعة ملايين إنسان، جعلهم الله شاهداً له بالبلاغ في عصر الشاشات.
الخيط الذي يجمع سيرته كلها
إذا نظرتَ في هذه المراحل كلها وجدتها تدور على كلمةٍ واحدة: اليقين. سمّى بها كبرى سلاسله، وأنفق فيها كتبَه ومقالاته. وليست شعارًا اختاره لحسن وقعه؛ هي وصفُ الحاجة التي رآها في الناس ثم عاش لسدّها.
وقد قرّر هو أهدافه من محتواه في أربع: أن يتحقق حبُّ الله ورسوله، وتعظيمُ الله تعالى، والاعتزازُ بالهوية الإسلامية، وطمأنينةُ النفس عن علمٍ عميق ويقينٍ راسخ. وقرّر ضوابطه في الخطاب في أربعٍ أخرى: الانطلاقُ من الكتاب والسنة في كل موقف، ومخاطبةُ العقل والوجدان معًا بتوازن، ودقةُ المعلومة وتوثيقُها، وألا يدعو إلى تنظيمٍ وإنما يدعو إلى الله وحده.
وههنا موضع الجمع بين صنعتيه. فإن أكثر من يتصدى للشبهة العلمية إما عالمٌ بالشرع لا يملك أدوات المختبر فيُرَدُّ عليه من داخل الصنعة، وإما صاحبُ اختصاصٍ تجريبي لا يملك أدوات الشرع فيضطرب في التنزيل. وقد جُمع لهذا الرجل من كلٍّ طرف: دكتوراهٌ بمعدلٍ تام في علم الأدوية من جامعةٍ أمريكية وبحثٌ في مركز تكساس الطبي وبراءتا اختراع ومراجعة لمرجعٍ عالمي، ومع ذلك اطلاع شرعي في مجالات عديدة ودقة في التأصيل الشرعي يصعب على خصمه أن ينقده. فالأداةُ الأولى تجعل خصمَه يسمع له، والثانية تجعله يعرف أين يقف. متينُ الأداة في صنعةٍ تجريبية يُحاكَم فيها إلى المختبر، رقيقُ العبارة في بابٍ يُحاكَم فيه إلى القلب؛ وقلّما اجتمعا في رجل.
ومن أراد أن يقيس أثر رجلٍ فلينظر إلى ما يبقى بعده لا إلى ما يُقال فيه. وهذا رجلٌ ما زال حيًّا، ومع ذلك فقد بقيت من أثره سلاسلُ تُفرَّغ وتُترجم وتُرفع على مواقع الأرشفة، وكتبٌ تُطبع وتُهدى، ومشاريعُ تربوية تأخذ الطفلَ من الثالثة، ومسابقاتٌ تأخذ الشابّ في الثالثة عشرة، وطلبةُ صيدلةٍ في عمّان وإدلب حضروا محاضراته. وأصدقُ من هذا كله أن ابنته وهي في الثالثة عشرة، بين جلسات الكيماوي، اختارت أن تصنع سلسلةَ دعوةٍ على منوال أبيها؛ فمن نبتت دعوتُه في بيته فقد نبتت في أرضٍ طيبة.
ما رُمي به بغير حق، ودفعه
ورجلٌ يقف هذا الموقف لا يسلم من الرمي، وقد رُمي بأمرٍ يحسن دفعه لئلا يُغرَّر به أحد. الأول: نسبتُه إلى تيارٍ لا ينتمي إليه. وصفه بعضُ المحللين والمواقع الإخبارية بأنه «داعشي أو مقرَّب من السلفية الجهادية» أو «أحد منظّري هذا التيار». وهذه نسبةٌ رفضها هو صراحةً وعدّها «تقييدًا لدعوته». والذي عليه الأمرُ في الواقع أنه لا ينتمي رسميًّا إلى أي تنظيم إسلامي، وهذا ثابتٌ لا خلاف فيه حتى عند من كتب عنه من غير المتعاطفين معه. وقد قرّر هو في ضوابط خطابه ألا يدعو إلى تنظيم وإنما يدعو إلى الله وحده. وأصدقُ ما يُرَدُّ به هذا الوصفُ سيرتُه نفسها؛ فإن الذي وقف في وجه تنظيم الدولة ووصف زعيمَه بالخليفة المزعوم، ثم كُسِّر زجاجُ سيارته على باب بيته جزاءَ ذلك، ليس رجلَ تنظيمٍ ولا مُنظِّرَ تنظيم. والذي أنفق سبعين حلقة في نقض الإلحاد ونظرية التطور، وثلاثين في نصرة الشريعة، وخمسًا وعشرين في حسن الظن بالله، وأربع عشرة في شرح جائحةٍ صحية، رجلٌ يُقرأ مشروعُه من إنتاجه لا من الألقاب التي تُلصق به.
ما يُؤخذ عنه وفي أي باب
ومن تمام النصح للقارئ أن يُقال له أين يضع هذا الرجل، فإن معرفة الأبواب من معرفة الرجال:
- باب بناء اليقين ودفع الشبهات العصرية: وهو بابُه الذي صار فيه مرجعَ كثيرٍ من شباب هذا الجيل، بأدواتٍ لا يملكها أكثرُ من تصدّر لهذا الباب. ومن أراد أن يُحصّن ابنه من الإلحاد والمادية فليبدأ من «رحلة اليقين».
- باب الرقائق وأعمال القلوب: و«حسن الظن بالله» و«بشائر» و«قبل أن يضرب السور» ثلاثةُ كتبٍ يُبنى بها القلب: أولُها للبلاء الخاص، وثانيها لهمّ الأمة، وثالثها لمحاسبة النفس.
- باب تربية الأبناء والأسرة: وله فيه سلسلةُ المرأة، و«قانون الطفل»، و«ندى تشتكي لعائشة»، ومشاريعُ عملية تأخذ الطفل من الثالثة والشابَّ من الثالثة عشرة، وهي مادةٌ عملية قليلٌ نظيرُها.
- باب الوعي بقضايا الأمة: فله في فلسطين والشام كلامٌ صريحٌ مؤرَّخ لا يداهن فيه، ويجمع بين نصرة المظلوم وحفظِ الميزان في وقتٍ واحد.
- باب صنعته الدنيوية: فهو في علم الأدوية أستاذٌ محكَّم، مأمونٌ فيما ينقل ويُحيل، وكتابُه في المصطلح الطبي نافعٌ لطلبة الصيدلة والتمريض.
وأما أن يُطلب منه ما ليس من بابه فذلك لا يُطلب من أحد، وهو أولُ من لا يدّعيه؛ فليس هو مفتيًا يُستفتى في النوازل الفقهية الدقيقة، ولا يقدّم نفسه كذلك، ولا يجلس مجلس المفتين. ومعرفةُ الرجل بقدر نفسه في زمنٍ صار الجمهورُ فيه يُنصّب أصحابَه علماءَ في كل فن، خصلةٌ تُحمد له وتُعدُّ في مناقبه لا في مآخذه. فإنما يُؤتى الناس من رجلٍ لا يعرف حدَّه، وهذا رجلٌ عرف حدّه فأتقن ما فيه.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالأستاذ الدكتور إياد قنيبي داعيةٌ صادقٌ من أهل السنة والجماعة، وباحثٌ متمكن في صنعته، جمع الله له بين آلةٍ علميةٍ تجريبيةٍ رفيعة وقلبٍ حيٍّ ولسانٍ مبين، فصرف ذلك كله في بابٍ واحد: أن يثبت الشابُّ المسلم على دينه عن علمٍ ويقين. أنفق ثلاث عشرة سنة يسمع لغيره قبل أن يتكلم، ونال أعلى ما يُنال في تخصصه في بلاد الغرب ثم عاد ليعلّم في بلده، وأُغلق في وجهه منبرُ الجمعة فبنى منبرًا يبلغ الدنيا، وحُبس فخرج يعدّد نعم الله، ودُفنت ابنتُه البكر بين يديه فصرف الناس عن مصابه إلى مصاب الأمة. يُؤخذ عنه في بناء اليقين ودفع شبهات العصر وفي الرقائق وتربية الأبناء والوعي بقضايا الأمة، ويُدلّ عليه ويُوصى بمادته للشباب، ويُدفع عنه ما رُمي به من الألقاب التي أسقطتها سيرتُه قبل أن يسقطها قلمُ أحد. وأمثالُ هذا الرجل في زماننا قليل، والدلالةُ عليه من الدلالة على الخير.
واختم سيرته بالمشهد الذي تختصرها كلها: غرفةٌ في عمّان، وكاميرا صغيرة، وبنتٌ في الثالثة عشرة قد أنهكها العلاج سنتين حتى بلغ المرضُ رئتيها، تجلس في العشر الأواخر من رمضان لتحدّث الناس عن الهدف من الحياة، ثم ترفع كفّيها فتقول: «يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي». ثم تموت بعد أيام. وأبوها الذي علّمها هذا يقف بعدها بأيام فيقول للناس: بنتي ليست أهمّ من أبناء المسلمين. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]. فمن قرأ هذه السيرة ثم استثقل ساعةً ينفقها في نفع الناس، فليعد قراءة هذا السطر.
نسأل الله العظيم أن يحفظ الدكتور إياد قنيبي ويسدده، وأن يبارك في علمه وعمره وولده، وأن يجعل كل حلقةٍ سجّلها وكل صفحةٍ كتبها في ميزان حسناته إلى يوم يلقاه، وأن يثبّته على الحق كما ثبّته في زنزانته، وأن يجعل ما ذاق من فقد ابنته رفعةً في الدرجات وشفاعةً يوم العرض، وأن يجمعه بسارة في الفردوس كما دعا، وأن ينفع بيقينه من حار في دينه، وأن يقيّض لهذه الأمة من يقوم بهذا الثغر بعده كما قام هو به.
سجل المصادر
- المدونة الرسمية للدكتور إياد قنيبي، صفحة «من أنا»: وهي أوثق مصدرٍ في معطياته الشخصية والعلمية؛ منها جائزة أمانة عمّان الكبرى في الشعر سنة 1993 م، وشهادة حفظ القرآن بالسند سنة 2009 م والإجازة قبلها، وخطابته في مساجد الولايات المتحدة ثم في مسجد مصعب بن عمير بعمّان إلى كانون الثاني 2010 م، وتخرجه الأول على دفعته بمرتبة الشرف في الفصل الأول من العام الدراسي 1997-1998 م، ونتائج التوفل وGRE، وعمله في الشركة الأردنية لإنتاج الأدوية سنةً ونصفًا، ومعدله التام في الدكتوراه، وبحثه في مركز تكساس الطبي، وبراءتَي الاختراع.
- موقعه الرسمي eyadqunaibi.com: منه قائمة سلاسله المرئية الثلاث عشرة بأسمائها وعدد حلقات كل سلسلة، وقائمة كتبه الثمانية بتواريخها، وعناوين مقالاته وتواريخها، وحجم مكتبته الرقمية، ولغات النشر.
- ترجمته في ويكيبيديا العربية: منها اسمه الكامل ومولده في السالمية بالكويت وانتقال أسرته إلى عمّان، واسم الشيخ الذي أخذ عنه القرآن بالسند، وتدرجه الأكاديمي وترقيته أستاذًا مشاركًا سنة 2013 م وأستاذًا سنة 2022 م، وتفاصيل الإيقافات والأحكام، ورفضُه وصفَه بالانتماء إلى تيارٍ بعينه وعدُّه ذلك تقييدًا لدعوته.
- موسوعة الجزيرة نت، مادة «إياد القنيبي» المنشورة في 23 من مايو 2016 م: منها عمله وجوائزه وتفاصيل اعتقالاته وأحكامها.
- موقع ميداد، صفحة التعريف به: منه تفصيل «مشروع الشريط الأسبوعي» الذي أطلقه مع أصدقائه سنة 1997 م واستمر إلى 2010 م، وسماعه آلاف الأشرطة لانتقاء ما يوزَّع.
- منظمة الكرامة، بيان الإفراج: منه ظروف الاحتجاز في سجن الموقّر 2 والانفراد المطوّل، وإضرابه عن الطعام من 15 من ديسمبر 2015 م إلى 4 من يناير 2016 م، وتاريخ الإفراج في 17 من مايو 2016 م.
- عربي21، خبر الاعتداء على مركبته المنشور في 18 من يونيو 2014 م: منه تاريخ الحادثة وملابساتها ونسبتُها إلى أنصار التنظيم، وتعليقه عليها بلفظه.
- صفحته الرسمية على فيسبوك وحسابه على منصة إكس: منها نصُّ نعيه لابنته سارة، ونصُّ منشوره «بنتي ليست أهم من أبناء المسلمين»، ونصُّ طلبه الدعاء قبل عمليتها الجراحية، وموقفه من نصرة غزة مع حفظ الميزان.
- مقاله «سارة وسلسلتها التي لم تكتمل» كما نقلته المواقع الأردنية والمغربية في يونيو 2019 م: منه تفاصيل جلسات العلاج وعددها، وتسجيلها حلقتين قبل النشر بأسبوع، وعدد الحلقات المقدَّر للسلسلة، ودعاؤها قبل وفاتها بأيام.
- موقعه الرسمي، «كلمة الدكتور إياد عند قبر ابنته سارة - فريق الصفحة»، المنشورة في 8 يونيو 2019 م: تتضمن تسجيل الكلمة على يوتيوب وتفريغها، وحديثه عن الصبر وحسن الظن بالله ورجاء الاجتماع بالأحبة في الجنة.
- تغطيات وفاة سارة في هوية بريس بتاريخ 8 من يونيو 2019 م: منها تاريخ الوفاة وسنُّها ومكان الصلاة عليها.
- مقال الكاتبة إحسان الفقيه «وقفة مع رحيل سارة» بتاريخ 13 من يونيو 2019 م: منه وصفُ ثباته وموقفه بعد الفقد.
- مجلة جامعة جرش الإخبارية، خبر بتاريخ 23 من أكتوبر 2018 م: منه إدراج اسمه واحدًا من ثلاثة مراجعين أكاديميين للطبعة السابعة من «Lippincott Illustrated Reviews: Pharmacology» الصادرة في 10 من أكتوبر 2018 م، وكونه الوحيد من العرب بين خمسين مؤلفًا وثلاثة مراجعين، وأن الإدراج جاء بعد تصحيحه عددًا من أخطاء الكتاب العلمية.
- بحثه المنشور في مجلة eLife بتاريخ 27 من مايو 2021 م بعنوان «A high rate of COVID-19 vaccine hesitancy in a large-scale survey on Arabs»: منه كونُه المؤلف الأول، وعدد المشاركين 36220، وعدد الدول، وأبرز النتائج؛ وبحثه المنشور في مجلة Vaccines عن تردد العاملين الصحيين العرب.
- صفحته على Google Scholar وأكاديمية MedOne: منها إجمالي الاستشهادات ومؤشرا h وi10، وسنوات خبرته في التدريس والبحث، ووصفُ كتابه «PharmMedTerm» ومحتواه وطبعته الأولى.
- أرشيف الإنترنت، نسخة سلسلة «رحلة اليقين» المرفوعة في 3 من مايو 2020 م، وتفريغاتها المرفوعة: منها عناوين الحلقات وموضوعاتها.
- صحيفة عنب بلدي، تقرير عن محاضرته في جامعة إدلب: منه تاريخ المحاضرة في 19 من أبريل 2022 م وعنوانها «همٌّ يُشعل هِمّة» ومدتها ومكانها في مدرَّج كلية الطب البشري.
- قناته الرسمية على تليجرام وصفحاته المترجَمة: منها منشوراته في سقوط النظام السوري وتحرير المعتقلين، وكلمتُه في الأكراد، ومشروعا «غرس يقيني» و«أنت مهم»، وترشيحاته للمشاريع التربوية.
- إحصاءات قناته على يوتيوب بتاريخ 11 من أغسطس 2026 م: منها عدد المشتركين والمقاطع وإجمالي المشاهدات وتاريخ إنشاء القناة في 9 من فبراير 2012 م.
- صفحات دور النشر والمكتبات ومتاجر الكتب العربية: منها أوصاف كتبه «حسن الظن بالله» و«بشائر» و«قبل أن يضرب السور» و«ندى تشتكي لعائشة» و«رواية إيناس» و«متعة التدبر»، وعدد صفحات بعضها ومحطات «بشائر» الخمس عشرة بعد المئة.
كُتبت هذه الترجمة يوم الخميس 21 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 3 من سبتمبر 2026 م، مما وقفنا عليه من كلامه ومصنفاته وسلاسله وأبحاثه المحكَّمة وما نُشر عن سيرته إلى هذا التاريخ. وسيرةُ رجلٍ ما زال يُنتج كلَّ أسبوع أوسعُ من أن يحيط بها كاتبٌ في صفحات، فما لم يُذكر ههنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل؛ ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ عن الدكتور حفظه الله فليُلحقه مشكورًا.






