يوسف أبو عواد | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | يوسف فؤاد حسن أبو عواد |
| البلد | الأردن |
| المهنة | مشرف لغة عربية بوزارة التربية والتعليم الأردنية، ومقدم برنامج «مفاهيم» على منصة «مجتمع» |
| الانتماء | المدرسة الشحرورية في إنكار السنة |
| القسم | مفكرون |
| الفئات | أهل الضلال، منكرو السنة |
المتصدّرُ لتحريف معاني التنزيل تحت ستار «البحث اللغوي»، والداعيةُ المارقُ إلى نسف السنة النبوية وتمييع أصول الملة: المدعو يوسف فؤاد حسن أبو عواد، أردنيُّ المولد والدار، فلسطينيُّ الأصل من مدينة الخليل؛ وُلد في عمّان سنة 1984 م، ويقيم بها في منطقة جبل الزهور. وهذه الترجمة تنشر ما اجتمع من أخبار أطواره وتقلباته.
سليمُ المعتقد في نشأته، ثم مائلٌ إلى الغلو المدخلي في الجامعة، فراجعٌ إلى الاعتدال حينًا، ثم غالٍ في التكفير في شبابه، غالٍ في التمييع في استواء سنه؛ سافر قاصدًا الإفتاء للغلاة على أرض الحرب بالأمس فلم يتمكن من تولّيه، ثم صار مفتيًا للحداثيين على شاشةٍ ممولة اليوم. وبين هذه الأطوار رجلٌ واحد: ذكاءٌ حاد بلا رسوخ، وحفظٌ للقرآن والصحيحين لم يعصمه من الانقلاب عليهما، وشهوةٌ قديمة للصدارة تسبق كل عقيدة يدّعيها، ونفسٌ يصف عارفوه ما اعتراها من اضطرابٍ وتأثرٍ بالشدائد. وأمره في أطوار غلوه قائمٌ على أصلٍ واحد: تأليه فهمه وجعله الميزان الوحيد للدين؛ فبه بدّع المشايخ وطلبة العلم، ثم كفّرهم وكفّر المسلمين، ثم انقلب يسفّههم ويدخل الملاحدة الجنة.
وموضعه من جيله موضعُ الوريث: وريثُ الهالك محمد شحرور في جيل الشاشات، وذابحُ أحكام الشريعة بسكين التلاعب بالألفاظ، حتى انحشر في قعر الشلة الساقطة من صنيعة «مركز تكوين» ومحمد الفايد، وصار وجهًا ترويجيًا لمنصة «مجتمع» الممولة من الإمارات، التي لم تُقم إلا لنخر ثوابت الدين وهدمه من الداخل. وإليه انتهت في الأردن رئاسةُ إنكار السنة بلسان «اللسانيات»: يرفع شعار «القرآن يكفينا»، وهي عين كلمة الحق التي أراد بها زنادقة كل عصر سلخ الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم؛ فتلقاه جمهورٌ من الحيارى وأهل الأهواء والعلمانيين، وليس فيهم عالم.
وعدته لاستدراج العوام مواهبُ صُرفت إلى الهدم: لسانُ مدرسٍ فصيح مفرغ من الفقه، وحفظُ قارئٍ يوهم السامع أنه يتكلم من صميم النص وهو يحرفه، وهدوءٌ مصنوع أمام الكاميرا يخفي تحته حقدَ نفسٍ مجروحة على ماضيها ورجاله، ودعمُ ممولٍ يعرف ما يشتري. فاجتمع فيه من الشرور ما تفرق في غيره؛ وهو عادمٌ لرسوخ الأئمة وإن حفظ الآثار وشرح كتابًا في الأصول، وحمل شهادة البكالوريوس من وراء القضبان، ثم استأنف دراسته العليا في الأردن، ونال الدكتوراه سنة 2018 م بعد تخرجه من «جامعة العلوم الإسلامية العالمية» بعمّان. فالشهادة خبرٌ يُثبت له، وليست بذاتها برهانًا على صواب مذهبه في الشريعة.
وحكمُنا فيه، ونبسط برهانه في هذه الترجمة: رجلُ تقلباتٍ وأهواء لا رجلُ علمٍ وبصيرة؛ هادمٌ لأصلٍ من أصول الدين، مقالتُه في السنة كفرٌ بواح، ولا يحل لمسلم أن يأخذ عنه دينه. ولطالما حار الناس في سر تحولاته، حتى اجتمعت لنا شهادةُ رفيقه القديم الذي لازمه في الجامعة، وشهادةُ الشيخ الدكتور محمد رزق طرهوني الذي عاصره في المعتقل، ثم شهادةُ صديقه الأردني المقرّب، الذي عرفه في المدينة وكان مقرّبًا منه حتى مرحلة عودته من السجن في السعودية، وعرف ما لم يعرفه الأولان؛ فانكشف من أخبار الرجل ما كان مطويًّا: البيت الذي خرج منه، والانقلاب الأول، والمنصب الذي سافر لأجله ولم يتولّه، وأحواله في السجن، والمال الذي استُقبل به، والقطيعة التي اختارها مع صحبته القديمة. وفي هذه الترجمة ليلةٌ عند أعتاب المسجد النبوي تكشف جانبًا من أمر الرجل.
محتويات
- 1 «لا بد أن أتفوق»
- 2 نحو سنتين مع المداخلة، والصحيحان في الصدر
- 3 «أمورٌ بتتغيّر»
- 4 قصد الإفتاء في العراق فعاد بعد أسابيع
- 5 أكثر من خمس سنوات بين السجون
- 6 العودة إلى الأردن: هديةٌ رسمية وقطيعةٌ اختارها
- 7 منصةٌ تشتري الحقد
- 8 نحو عقدين بين ثلاثة مجالس
- 9 سجلُّ ما يبثُّه: المقالاتُ ونقضُها
- 10 «سَلِمَ» من «سَلَّ»
- 11 «ليس كل لحمٍ يُلاك»
- 12 ما له من سابقة: مواهبُ لم تعصمه من الانقلاب
- 13 شحروريةٌ بأدواتٍ معجمية
- 14 قولُه ونقيضُه: مشروعٌ يهدم نفسه بيده
- 14.1 أولًا: التناقضُ المعرفي في التوثيق
- 14.2 ثانيًا: دعوى استغناء القرآن والقعود بالساعات لتفسيره
- 14.3 ثالثًا: ادعاءُ التحرر وممارسةُ أغلظ الكهنوت
- 14.4 رابعًا: المفارقةُ في دواعي النقل التاريخي
- 14.5 خامسًا: تقلبُ الأحكام وثباتُ دعوى الانفراد بالفهم
- 14.6 سادسًا: نفيُ الاسم والاستماتةُ في تثبيت المسمى
- 14.7 سابعًا: تصدّرٌ تتبدل رايته ولا تتبدل دعواه
- 15 الآلةُ المكسورةُ والوقودُ القديم
- 16 الخلاصة النهائية
- 17 سجل المصادر
«لا بد أن أتفوق»
نشأ يوسف في بيتٍ أردني مستقيم ظاهرُه الالتزام؛ أبوه رجلٌ عامي، وبيئته الأولى حاضنةٌ سلفية عامة، على ما شهد به من عرفه صغيرًا. وكان قبل الجامعة سليمَ المعتقد، ومن شيوخه الذين لازمهم يومئذ الشيخ جمال الباشا حفظه الله، وكان الشيخ يحبه كثيرًا ويكثر من الثناء عليه. وله أخٌ أكبر اسمه أحمد على مثل سمته والتزامه؛ حفظا القرآن في نعومة أظفارهما، وطافا في مسابقات التحفيظ داخل الأردن وخارجه. وقد حفظ يوسف كتاب الله غيبًا، وحصل قبل سفره إلى المدينة المنورة على الإجازة فيه عن ظهر قلب بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فالوحي الذي يسعى اليوم لتحريفه قد علمه صغيرًا وخبر ألفاظه وحمل سنده، والمنهجُ الذي يرمي أهله بـ«التراثية» هو اللبن الذي رضعه في بيت أبيه. وهذه النعمة بعينها قاطعةُ حجته وماحيةُ آخر أعذاره: فما كان نبتَ بيتِ جهالة فيُقال غُرِّر به، ولا وريثَ ضلالة فيُقال أورثه أهله الغواية؛ وإنما هو انحرافُ من عرف الحق واستبان له سبيله ثم نكص على عقبيه، وذلك أشنع في الميزان وأعظم للجناية، فالنعمة التي لا تُقيَّد بالشكر تنقلب شاهدًا على صاحبها يوم الحساب.
وكان متقدمًا في دراسته منذ الصغر؛ حاز في الثانوية العامة معدلًا مرتفعًا أدخله كلية الصيدلة في «جامعة العلوم والتكنولوجيا»، ثم هجرها سريعًا بدعوى التفرغ لطلب العلم الشرعي. ومردُّ هذا التفوق حدةُ ذهنٍ وقوةُ حفظ، وهما أداتان لا عصمة فيهما ولا تقوى: تُبنى بهما الحجة في يد المهتدي، وتُهدم بهما الديانة في يد المفتون المغرور. وما حمل بدعةً كبرى في تاريخ هذه الملة بليدٌ قط؛ حملها أذكياء انتكست بصائرهم، وكلما توقد الذكاء بغير هدى من الله اشتدت قدرة صاحبه على تمويه الباطل والاحتيال له.
وقد شهد من عرفه عن قرب أن هذا التفوق بعينه كان داءه لا دواءه: فتًى نشأ في دعة بيتٍ محترم لم يذق مرارة الشدائد ولا مسّه عناء الحياة، فألف الصدارة واعتاد التقدم، حتى استحكمت في نفسه نزعةُ التفوق وشغفُ الظهور منذ نعومة أظفاره، وصرّح بها بملء فيه: «لا بد أن أتفوق!»؛ سمعها منه صفيُّه القديم صراحةً، وكرر التبجح بها هو نفسه في لقاءاته بعد عودته إلى الأردن. وتلك علةُ الرجل الكبرى: ركب سفينة الصيدلة ثم قفز منها، وركب مطية الشريعة، ثم امتطى الغلو والتكفير، ثم انقلب فركب موجة «التجديد» الشحروري؛ تبدلت المراكب والمذاهب كلها وبقي الراكب واحدًا في كل محطة: عبدٌ لصدر المجلس وملاحقٌ لبريق الأضواء، لا طالبٌ للحق. فتفوقه هو العلة المفسرة لانحرافه لا علامةٌ على سلامة عقله: ذكاءٌ مسخرٌ لخدمة جوعٍ قديم إلى الشهرة والرياسة.
أما حفظه المبكر فهو الرصيد الذي ما زال يقتات عليه ليسبغ على باطله شرعيةً موهومة في الخوض في كتاب الله: يوهم مستمعيه أنه يتكلم من صميم النص القرآني، مستغلًا استحضاره للآيات في تمرير تأويلات باطنية لا تمت لما أُنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بصلة. والحفظُ العاري من الفقه والخشية لم يكن قط عاصمًا من الزيغ؛ ففي الصحيحين نعتُ الخوارج المارقين بأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأشبهُ الناس بهذا النعت غلاةُ التكفير الذين خطا صاحبنا في أوحالهم أولى خطواته الكبرى. فحفظه حجةُ الله القاطعة عليه لا حجةٌ له على عباد الله، وحاملُ القرآن الذي لم يهده القرآن إلى لزوم الحق إنما يثقل كاهله بخصمٍ يقتص منه يوم القيامة.
نحو سنتين مع المداخلة، والصحيحان في الصدر
التحق بـ«الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة» سنة 1424 هـ (2003 م) وهي السنة التي غزت فيها أمريكا العراق في المحرم (مارس)، وضربت فيها خلايا القاعدة الرياض في ربيع الأول (مايو)، فدخل الجامعة والأمةُ كلها تتحدث عن الجهاد والغلو معًا. وهذه الحقبة الفاصلة هي التي يُسقطها اليوم عمدًا من سيرته المعلنة ويطويها طيَّ السجل؛ وسيعرف القارئ في هذه الصفحات لِمَ يطويها. فرفيقه القديم، الذي عرفه قبل الجامعة ولازمه فيها، يقول إنه كان في الأردن مع السلفية عمومًا لا مع المداخلة، فلما جاء الجامعة مال إلى الفكر المدخلي، وجالس أصحابه في عاميه الدراسيين الأولين، ثم بدأ يترك طريقتهم في أواخر السنة الثانية، وكان في صيف 2005 م معتدلَ الفكر والمعتقد. ويجمل رفيقه أطوار غلوه في جملة: «متطرف مدخلي، متطرف جهادي، متطرف الآن إلحادي».
وقد حفظ أبو عواد صحيحي البخاري ومسلم أثناء دراسته في الجامعة؛ شارك في دورات جمع الصحيحين التي يقيمها الشيخ يحيى اليحيى، وأكمل حفظهما غيبًا عن ظهر قلب، ثم شرع في حفظ السنن ولم يُعرف أين وقف منها. وليتأمل القارئ هذا الخبر قبل أن يمضي: الرجل الذي يقول للناس اليوم إن السنة صناعةٌ بشرية كان يحمل الصحيحين في صدره. فإنكاره للسنة إنكارُ حافظٍ لها عرف رجالها وأبوابها ثم أدار لها ظهره، لا إنكارُ جاهلٍ لم يقرأها؛ وهذا أشد عليه في الميزان، إذ قطع عن نفسه عذر الجهل الذي يُلتمس لغيره.
فالرجل قد ولج محراب الشريعة وخبر دارها من الداخل: عاين التراث عن قرب، وتشرّب مصطلحاته، وعرف رجاله ومداخله، قبل أن ينقلب ليتخذ من مسخ أصوله وهدم قواعده مشروعًا له. غير أن حفظ المتون، وملازمة الشيخ جمال الباشا قبل الجامعة، ثم الدراسة فيها، لا تستلزم بمجردها رسوخًا في الفقه والأصول؛ كما أن الأخبار التي بين أيدينا لا تفصّل إجازاته في علوم الشريعة وراء الإجازة القرآنية المذكورة. وقد عاجله الاعتقال في أواخر عام 2006 م قبل إتمام البكالوريوس، ثم أتمها في محبسه. حافظٌ للصحيحين، لا يُجعل حفظُهما وحده ميزانَ فقههما؛ وثمرةُ هذا التفريق ستظهر في كل ما بعده.
«أمورٌ بتتغيّر»
وفي أواخر سنته الثانية في الجامعة، سنة 2005 م، بدأ يترك المنهج المدخلي، بعد أن تأثر ببعض الطلبة الذين تركوا هذا الطريق فجمعتهم فكرةُ الذب عن أعراض المسلمين وإخراج العدو الصائل من أرضهم، والعراقُ يومئذ قد مضت على احتلاله سنتان، والجهادُ ضد المحتل حديثُ الشباب في كل حلقة. تحمس يوسف لهذه الفكرة كثيرًا، ويقول صديقه الأردني المقرّب إنها «الفكرة التي من أجلها ترك المدخلية واستقام أمره فترة». وكان في صيف ذلك العام معتدل الفكر والمعتقد، ثم لم يلبث أن جاوز الاعتدال إلى الغلو. وفي عام 2006 م توسع في مطالعاته الجهادية، فقرأ كتاب «ملة إبراهيم» للشيخ أبي محمد المقدسي، و«الدرر السنية» في فتاوى أئمة الدعوة النجدية، ثم صار يفتي بفتاوى تكفيرية تستبيح الدماء والأموال. وهكذا بدأ مع جماعةٍ من الجهاديين المعتدلين، ثم تجاوزهم إلى الغلو والتكفير، ومضى يبحث عن طريقٍ يوصله إلى الجماعات المقاتلة في العراق. رجلٌ لا يلبث على الاعتدال حين يستبد به الغلو.
وفي هذا الطور، قبل سفره إلى العراق، رآه رفيقه يخالط فئةً موصومة بالتشدد، فاستوقفه ناصحًا مستنكرًا: «يا يوسف، ما لك ولهؤلاء؟»، فأجابه ببرودٍ واقتضاب: «أمور بتتغيّر!»، ثم أردف مستدرجًا: «كنتُ أريد الجلوس معك منذ مدة لأعرض عليك بعض الأمور، ولا بد أن أحدثك في شأنها»، ورمقه بنظرةٍ لم تبرح ذاكرة رفيقه حتى اليوم: نظرة غريبة طافحة بالمكر والشر، لا عهد له بها في سيرة يوسف البسيط الذي عرفه.
وتم اللقاء بعد صلاة العشاء عند أعتاب المسجد النبوي الشريف، فإذا الرجل قد انقلب رأسًا على عقب: من طالبٍ يلزم الجادة إلى حاملِ لواءٍ لفكر التكفير الأرعن، يتعسف في لَيّ أعناق النصوص ويحملها ما لا تحتمل، تائهًا بزهو ما جمع، متغطرسًا بفهمه حتى زعم أنه الفهم الأوحد الذي يجب على الأمة قاطبةً الإذعان له، متبجحًا بأقيسته الباطلة: «هذا الاحتجاج لا يستطيع أحدٌ في الأرض رده». فلما حاجّه رفيقه وفند تهافت شبهاته ركب مطية العناد واستكبر عن الرجوع، وبلغ من فجوره في الخصومة أن واجه أحد إخوانه بالقطيعة الصارمة: «أأنت معي أم مع الشباب؟ إما أن تلزمني أو تقطعني؛ هذا فراق بيني وبينك».
وما كان في حلقة أولئك تابعًا مغمورًا؛ تلقفه من التفّ حوله من الشباب فنفخوا في كبريائه وصاحوا به: «أنت شيخنا!»، فصدّق خديعة نفسه، وتقمص ثوب المشيخة، وتصدر للفتوى قبل أن يستوي عوده في الطلب. واضبط هذا الموضع جيدًا؛ فهذه أول عتبةٍ لاعتلاء الصدارة في سجل الرجل، ولن تكون الأخيرة: وجدت شهوةُ الظهور الكامنة منذ طفولته أول عروشها فوق رؤوس فتيةٍ غلاة، وطلب لها موضعًا آخر على أرض العراق في صيف 2006 م فلم يبلغ المنصب الذي قصده، ثم وجدت منبرها أمام الكاميرا بعد نحو عشرين سنة. ورجلٌ يُقال له في أول طلبه «أنت شيخنا» فيصدّق، لا يُنتظر منه أن يقول بعد عشرين سنة: لا أدري.
قصد الإفتاء في العراق فعاد بعد أسابيع
ووجد الطريق. تعرف على طالبٍ جزائري يُدعى ابن عمر البشير، كان واسطته في السفر إلى العراق والالتحاق بالجماعات الجهادية؛ فسافر في عطلة الصيف من سنة 2006 م. وكان سفره بقصد تولّي الإفتاء الشرعي لإحدى الجماعات المقاتلة. طالبٌ لم يتم دراسته بعدُ يقصد كرسي الإفتاء في أرض حرب، والفتوى هناك تعني الدم.
يقول صديقه الأردني المقرّب إن يوسف رجلٌ «شديد الحساسية»، حساسٌ لأبعد حد، ضعيف الشخصية مهزوز من الداخل، وإن هذه الخصلة كان لها، في تقديره، دورٌ رئيس في تقلباته: يكفيه موقفٌ عاطفي واحد ليفكر بجدية في أنه على طريق خطأ. فلما عاين واقع الجماعات الجهادية في العراق وما فيه من مشاهد سفك الدماء أصيب بصدمةٍ كبيرة، ولم يستطع التأقلم مع الواقع هناك، حتى طالبته الجماعة بالرجوع إلى الأردن لأنه كان عبئًا عليها، فرجع بعد أسابيع قليلة مصدومًا؛ والرجل الذي كان يفتي بفتاوى تستبيح الدماء والأموال عجز عن احتمال ما رآه بعينيه. وقد عاد إلى الأردن آخذًا موقفًا سلبيًا من مسائل الجهاد والتكفير.
ثم رجع من الأردن إلى جامعته في المدينة المنورة بعد العطلة الصيفية من عام 2006 م، ولم يلبث أن اعتقلته السلطات السعودية هو وزميله الجزائري في نهاية ذلك العام بسبب سفرهما إلى العراق. وكانت الخليةُ التي انخرط في صفوفها، مرصودةً تحت مجهر الأمن السعودي، والبلاد يومئذ في حال استنفارٍ لملاحقة بؤر التكفير في أعقاب تفجيرات الرياض. ومكمنُ الجناية هنا أن دفع المحتل الصائل عن بلاد المسلمين فريضةٌ شرعية لا مراء فيها، غير أن تلك الفئة لوثت هذا الواجب بأوحال الغلو، حين خلطت نصرة المظلومين باستباحة دماء أهل القبلة، فشوهت راية الجهاد وأفسدت من حيث ادعت الإصلاح؛ وكان صاحبنا قد قصد منصب الإفتاء قبل أن يستتم دراسته، ثم خارت قواه وعجز عن الاحتمال فعاد. فبونٌ شاسع بين غِرٍّ تستهويه خيلاء الفتوى فيجترّ التكفير في رخاء المجالس، وبين من ينزل إلى الساحات ليعاين بنفسه فظاعة ما تفضي إليه فتاوى استباحة الدماء.
أكثر من خمس سنوات بين السجون
أكثر من خمس سنوات قضاها يوسف في المعتقل، تنقل خلالها بين سجون المدينة المنورة وجدة والقصيم وأبها. وما تزال مناشدات والده ومطالباته العلنية بالإفراج عنه محفوظةً في أرشيف الأخبار، شاهدةً على مرحلةٍ يبذل صاحبها اليوم وسعه في طمسها.
ودخل السجن ولم يتخرج بعدُ، فتطوع أحدُ زملائه الأردنيين فأحضر وكالةً من أهله عن طريق الخارجية الأردنية، وتابع بها أموره في الجامعة وفي السجن، حتى أعانه على إتمام البكالوريوس؛ فكان يؤدي الاختبارات من داخل السجن، وحصل على شهادته سنة 2007 م وهو خلف القضبان. فتمت دراسته الجامعية الأولى في محبسه بمعونة ذلك الزميل، ثم استأنف بعد رجوعه إلى الأردن دراسة الماجستير والدكتوراه، وسيأتي خبرهما؛ فلا يقف تاريخ تحصيله عند الشهادة التي نالها في السجن.
وفي بعض مراحل سجنه تعرض لأذًى ومواقف صعبة، منها مضايقاتٌ من نزيلٍ مغربي، وكان ذلك النزيل من المعتقلين الجهاديين. وهو بطبعه، كما وصفه من عرفه، حساسٌ مرهفٌ لا يحتمل الشدائد، فتأذى وزادت حاله النفسية سوءًا. ولسنا نشمت بمن أُوذي في محبسه ولو كان اليوم أبعد الناس عنا؛ فالأذى في السجن مصيبة، والله المستعان، وإنما نروي ما بلغنا من خبره، ولا نجعل ما وقع عليه من أذًى حجةً على صحة آرائه أو بطلانها.
وفي مرحلةٍ سابقة على إقامته في عنبر الأردنيين، كان يطلب من بعض النزلاء أن يرقوه، قائلًا إنه مسحور. ويروي الشيخ الدكتور محمد رزق طرهوني في شهادة نشرها عبر موقعه، وقد عاصره في السجن في تلك السنين، أن يوسف كان شابًا هادئًا منطويًا على نفسه يغلب عليه الضعف والخور، حافظًا للقرآن رقيقَ النبرة، لكنه يعاني خطوبًا واضطراباتٍ نفسية وروحية قاهرة، بحسب وصف الشيخ. ثم روى الواقعة المشهودة: طلب يوسف منه الرقية الشرعية وزعم أنه مسحور، فلما شرع الشيخ في القراءة عليه تشنج وأصابته حالة صرعٍ وانهيارٍ مريع، واستحال صوته إلى نبرة غريبة، وبات يصرخ بكلمات الكفر الصريح ويسب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، في مشهدٍ قال الشيخ إنه شهده حرس السجن ورفاقه في الزنزانة. ويصدّق صديقه الأردني المقرّب أصل واقعة الرقية بلفظه: «موقف الرقية موقف صحيح»، ويقرر أن يوسف كان يعاني مشاكل نفسية ورُقي لأجلها. فوردت تفاصيل الواقعة في شهادة من عاصره في المعتقل، وأكّد أصلَ الرقية صديقُه الأردني المقرّب.
وكانت تمر به في سجنه أحوالٌ متباينة؛ فمع ما نُقل من التشنج والصراخ والاضطراب، شرح للسجناء كتاب «روضة الناظر» لابن قدامة، وقرأ القرآن الكريم من حفظه على صاحبٍ أردني له في السجن، فلم يخطئ في تسميعه إلا خطأً واحدًا. ثم أقرأ ذلك الصاحب القرآن وأجازه به بالسند المتصل. ونُقل أن صاحبه اليوم في حيرةٍ من أمره: أيجيز غيره بهذا السند أم يدع هذه الإجازة ويقرأ على شيخٍ آخر؟ وهي مفارقةٌ مضحكةٌ مبكيةٌ في خبر حافظٍ انقلب بعد ذلك على الطريق الذي تلقّى عنه.
وأما ما لقيه من السجّانين فقد اختلف فيه النقل على وجهٍ يمكن الجمع بينه. فرفيقه القديم، وقد سأل مشايخ لجان المناصحة الذين تولوا أمره، نقل عنهم أنه لم يُسأ إليه في حبسه، وأن استجابته للمناصحة كانت في ظاهرها طيعةً هينة. وصديقه الأردني المقرّب يقطع بأنه ضُرب وأُهين وأُوذي، ويقيد ذلك بأنه «مش ضرب التعذيب» بلفظه، أي ضربُ إهانةٍ لا ضربُ تحقيق. ويمكن حمل خبر المناصحين على ما ظهر لهم في مجالسهم، وخبر صديقه على أذًى بلغه وقوعه خارجها؛ فلا يُنفى الثاني بمجرد خفائه عن الأول، ولا يُزاد في حدوده على ما نقله صاحبه. وأما استجابته للمناصحة فإن كانت صدقًا في حينها فقد نقض عراها بعد خروجه نكثًا قبيحًا كما سيأتي.
قلتُ: يجتمع من هذه الأخبار ذكرُ ضربٍ وإهانةٍ ومضايقاتٍ في السجن، وذكرُ أحوالٍ اضطرب فيها، ثم ذكرُ حفظٍ متين وإقراءٍ وشرحٍ للأصول في السجن نفسه. فلا يُختزل خبره في صورة انهيارٍ مطرد لا يفارقه، ولا يُنفى ما رُوي من أذاه بما بقي له من قدرةٍ على الحفظ والتعليم؛ فهذه أحوالٌ مختلفة نُقلت عنه. وكان السجن امتحانًا شاقًا في سيرته، وأثره في نفسه مما فسره به عارفوه، ولطالما كانت المحن كاشفةً لأحوال النفوس؛ والعبرة في الحكم على مقالات الرجل بما يقول ويحتج به، لا بما وقع عليه في محبسه.
العودة إلى الأردن: هديةٌ رسمية وقطيعةٌ اختارها
وبعد أكثر من خمس سنوات أُطلق سراحه من السجن في السعودية من غير محاكمة، فعاد إلى الأردن، فاستقبلته السلطات الأردنية بلا تثريب، وقدمت له هديةً مالية تبلغ قرابة خمسة عشر ألف دولار، ومشت أموره في الأردن بعد ذلك بشكلٍ نظامي. وهذا الاستقبال والهدية كانا من باب تلميع الحكومة لصورتها؛ إذ أخذت قضيته شكل قضية رأيٍ عام في الشارع الأردني، لوجود معتقلين أردنيين آخرين فيها من أبناء العشائر. وهذا تفسيرٌ مرجّح عند ناقله، لا خبرٌ مقطوعٌ به عن قصد الدولة؛ وليس في مجرد هذه الهدية ما يثبت أنها جندته أو اشترته.
وأما صحبته القديمة فكان يوسف هو الذي أغلق باب التواصل معها، لا أصحابه؛ بل كانوا حريصين على زيارته واللقاء به. فليس الخبر خبرَ رجلٍ نبذه أصحابه بعد محنته، وإنما خبرُ رجلٍ آثر القطيعة من جهته، وأغلق الباب الذي أرادوا الدخول إليه منه.
وكان قد خرج ساخطًا على كل من كان له دور في مسيرته الجهادية، بدءًا من المعتدلين الذين تركوا المداخلة معه وانتهاءً بالمحكومين معه في السجن، ثم آثر الانقطاع عن صحبته القديمة مع حرصهم على اللقاء به. فاجتمع، في قراءة عارفيه لأمره، أثرُ السجن وما انكسر فيه من أحلامه، وسخطُه على من رافقوه في طريق الغلو، كأنهم هم الذين اختاروا له كل ما اختار لنفسه. ومن هنا فسّروا ما ظهر بعد ذلك من عداوته لماضيه ورجاله وفقهه ومصنفاته؛ وتراه اليوم يتحاشى لفظ «العلماء» و«الفقهاء»، ويقذف بدلًا منهما بلفظته الموتورة «التراثيون». فأما بناء هذا كله على أن أصحابه هجروه فلا يستقيم مع التصحيح الذي ورد: هو الذي أغلق باب التواصل، وهم الذين حرصوا عليه.
ثم انخرط في الوظيفة: عمل في سلك التعليم بالمملكة الأردنية، وتخصص في تدريس طلبة الثانوية العامة، وترقى حتى صار مشرفًا في قسم اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم، وأسس منصة «أكاديمية البيرق» للتعليم عبر الشبكة؛ فاكتسب من التدريس دربةً على الخطاب الجماهيري ودرايةً بمسالك التأثير في أذهان الناشئة، وهي الأداة التي سيصرفها إلى ما سيأتي. ودرس الماجستير والدكتوراه في الأردن، ويصف تخصصه في بطاقته التعريفية بأنه «اللسانيات»؛ وقد ورد في شهادة صديقه أنه تخرج من «جامعة العلوم الإسلامية العالمية» في عمّان، ونال الدكتوراه سنة 2018 م. فقاصدُ الإفتاء في العراق صار مدرسَ توجيهي، ثم نال لقب «الدكتور»؛ والدرجة تُثبت في خبره، ولا تغني عن وزن ما يقوله بميزان العلم.
وعمل إمامًا وخطيبًا في مساجد عمّان فور خروجه من السجن وعودته إلى الأردن، ثم لما شغله التدريس الخصوصي لطلبة الثانوية العامة ترك الإمامة، وبقي خطيبًا إلى وقتٍ قريب جدًا من ورود هذه الإفادة، حتى في أثناء ظهوره على منصة «مجتمع» وبثه الأفكار الإلحادية المسمومة.
وحين نال اللقب استيقظ فيه داءُ الظهور من جديد؛ فشغفُ الشهرة بقي حيًا في الزنزانة، وخرج منها في مسلاخٍ جديد. انتسب إلى جمعيةٍ في اللغة العربية، وشرع يبث مقاطعه على «يوتيوب» وانحرافه بعدُ جنينٌ في طور التمويه: يزعم تفسير القرآن بـ«طريقة تدبرية لسانية»، وينقب في مسائل لغوية يدّعي «أن أحدًا قبله لم يتطرق إليها»؛ وهو داء التعالي الذي يطبع طرحه كله إلى اللحظة، وإن كان اسمه يومئذ نكرةً لا يُعرف خارج الدوائر المدرسية المحلية. ويلخص صديقه الأردني المقرّب هذا الطور بجملة: «بدأ شيئًا فشيئًا يميل إلى الأمور التنويرية الحداثية»، وآل أمره إلى ما ترى.
ولما بدأ يتبنى الأفكار التي يصفها ناقلو خبره بالإلحادية، باع مكتبته الشرعية بكاملها، على ما ورد في الزيادة؛ وكانت مكتبةً معتبرة تضم أمهات الكتب. فليس خبرُه خبرَ من لم تقع عينه على مصادر العلم؛ قد اقتناها وحفظ من متونها، ثم استغنى عن مكتبتها في ذلك الطور من تحوله.
منصةٌ تشتري الحقد
ثم تلقفته المنصات التي تقتات على تلميع الأصوات «التجديدية» المارقة، ممن يتقنون هدم التراث بلسانٍ فصيح وهدوءٍ تمثيلي بارد؛ فوجد فيه القوم «الخلطة النادرة» التي تبحث عنها دوائر الإفساد: حافظٌ لألفاظ القرآن، فصيحُ اللسان، جريءٌ على هتك الثوابت، حاقدٌ موتور على أهل العلم وجادتهم. فسطع نجمه المسموم عبر منصة «مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية» الممولة بسخاءٍ من دولة الإمارات، مقدمًا برنامجًا حواريًا باسم «مفاهيم» شراكةً مع باسم الجمل أحد الوجوه الممولة إماراتيًا لنشر الديانة الإبراهيمية الشيطانية؛ فوجد المنبر والميكروفون الذي يمرر به شطحاته وتحريفاته اللغوية إلى مئات الآلاف، حاصدًا ملايين المشاهدات، حتى انحشر رسميًا في عداد تلك الشلة المنبوذة: الهالك محمد شحرور، الذي هلك سنة 1441 هـ (2019 م) وورث يوسف مشروعه، و«مركز تكوين»، ومحمد الفايد، وأضرابهم من دعاة هدم الملة. ولم أقف على سنة انضمامه إلى المنصة على وجه الدقة.
و«مجتمع» واجهةٌ تتلقى تمويلًا ضخمًا من جهاتٍ إماراتية لترويج «الديانة الإبراهيمية» ونشر الإلحاد المقنّع وتفكيك عرى الإسلام عبر شخصياتٍ وظيفية كيوسف أبي عواد وباسم الجمل؛ لا منبرٌ ثقافي بريء. ويكفيك كشفًا لحقيقتها أن تطالع مجلس أمنائها الذي يضم أعتى خصوم الإسلام المعاصرين: يتقدمهم الشاعر السوري الباطني أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) الذي أفنى عمره في هجاء الذات الإلهية والدعوة إلى تمزيق الوحي، والمفكر التونسي عبد المجيد الشرفي ربيب مدرسة «تاريخانية النص» المنادي بإلغاء العبادات وإسقاط الشعائر. وقد ازدهرت هذه المنصة في المناخ الذي أُعلنت فيه اتفاقات التطبيع الإماراتية مع الاحتلال في المحرم 1442 هـ (سبتمبر 2020 م)، وصار «الإبراهيمي» فيه لقبَ مشروعٍ سياسي لا وصفَ ملة. ففي هذه الأحضان استُدرج مشرفُ اللغة العربية الخارج من سجنه بقلبٍ ممتلئ غلًا، ليصير مخلبَ قطٍّ وأداةً وظيفية رخيصة لتمرير أجندات القوم.
وهذا التوظيف يطابق بحذافيره توصيات مؤسسة راند الأمريكية (RAND Corporation) في تقريرها «الإسلام الديمقراطي المدني»، الذي حث ساسة الغرب صراحةً على دعم «الحداثيين» ومنكري السنة النبوية وتأمين الشاشات والتمويل لهم، بغية تفكيك أصول الإسلام وإخراج مسخٍ ديني منزوع العقيدة والسلاح يستسلم للهيمنة الغربية. ويلتحم هذا المسار بالتطبيع التحامًا مباشرًا: فمشروع أبي عواد في تمييع مصطلحات «اليهود» و«النصارى» في القرآن والحكم بالنجاة الأخروية للجميع خنجرٌ مسموم يخدم التطبيع العقدي والسياسي، ويجرد القضية الفلسطينية من عمقها العقدي والجهادي، ليحول الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني الغاصب إلى نزاعٍ عائلي بين إخوة في الإنسانية.
أما جمهوره ومصفقوه فخليطٌ بائس من ثلاثة أصناف، ليس فيهم عالمٌ معتبر ولا طالبُ علمٍ جاد ولا باحثٌ محقق: شبابٌ حيارى أرهقتهم شبهات العصر مع خلو الوفاض من التأصيل الشرعي، فاستهواهم خطابه المتمرد المزيف؛ وأهلُ أهواء وشهوات يبحثون عن التحلل من أثقال التكاليف، من الصلوات الخمس بهيئتها إلى فريضة الزكاة والحجاب، فوجدوا في «قراءته المعاصرة» صكَّ غفران يُسقط عنهم الفرائض باسم القرآن؛ وتيارٌ علماني حداثي لاديني وجد في منكري السنة حليفًا وظيفيًا يضرب المرجعية الإسلامية من داخلها وباسم نصوصها. ومن اجتمع له هذا الجمهور وهذا الممول عرف القارئ بأي شيء صعد الرجل: بحاجةٍ في المفتونين سدها، وبمالٍ فتح له الشاشة، لا بعلمٍ حصّله.
نحو عقدين بين ثلاثة مجالس
على شاشة «مجتمع»، وداخل استوديو أنيقٍ باذخ زُوّد بأحدث تقنيات الإضاءة والعدسات السينمائية، يجلس يوسف أبو عواد بكامل أناقته وتصنعه ليقطّع آيات الذكر الحكيم إربًا إربًا. يرمق الكاميرا بابتسامته الباردة المعهودة، ثم يلقي الطامة التي تنسف إجماع أمة الإسلام منذ فجر النبوة: زاعمًا أن «الشرك» في القرآن لا علاقة له بعبادة الأوثان والأصنام، وأن «الكفر» عنده «إفسادٌ وظلم» سلوكي لا جحودٌ بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليخلص بوقاحةٍ إلى أن اليهودي والنصراني والمجوسي، بل والملحد المنكر لوجود الله، يدخلون الجنة زمرًا ما داموا مسالمين، وأن المسلم الذي يكفّر من كفّرهم الله ورسوله ويتبع السنن والآثار هو المشرك الحقيقي في ميزان أبي عواد.
فقابل بين ثلاثة مجالس لترى عجائب الانتكاس: طالبٌ مال في الجامعة إلى الغلو المدخلي فراح يبدّع المشايخ وطلبة العلم؛ ثم شابٌ يجلس بعد العشاء في ظلال المسجد النبوي الشريف، قد انقلب إلى الغلو التكفيري، يكفّر من كان يبدّعهم ويكفّر عامة المسلمين، ويقاطع أقرب إخوانه إن لم يذعن لرأيه، ثم يسافر إلى العراق قاصدًا منصب الإفتاء فلا يتمكن من تولّيه؛ ثم رجلٌ شحروريُّ المسلك يجلس بعد نحو عشرين سنة أمام العدسات الفارهة، يسفّه المشايخ والعلماء والفقهاء وطلبة العلم، ويفتح أبواب الجنان للملاحدة والمشركين، ويرمي أهل السنة والاتباع بالشرك الأكبر. غلا أولًا في التبديع، ثم في التكفير، ثم في التسفيه والتمييع؛ وتبدلت مقالته وبقي أهلُ العلم خصمَه في مجالس غلوه الثلاثة. ولا تُسقط هذه المقابلة ما ثبت من اعتداله بين بعض أطواره، وإنما تجمع وجوهَ غلوه حين استحكم. والعلةُ المستحكمة في هذه المجالس هي هي: تأليه الهوى، وتوهم أن فهمه السقيم هو عين الدين ومحور الوجود. فما الذي يبيعه هذا المتلون على تلك الشاشة؟ ذلك ما يليه.
سجلُّ ما يبثُّه: المقالاتُ ونقضُها
المتتبع لما ينفثه الرجل عبر شاشاته ومنصاته يرى مشروعًا ممنهجًا لاستئصال ثوابت الملة ونقض عرى الإسلام عروةً عروة؛ ولم أقف لأكثر هذه المقالات على تاريخ أول ظهورها، فكلها من سنوات المنصة. وهذه كبرياتُ طوامه، مقرونةً بميزان نقدها الشرعي والعقلي:
- الطعنُ في السنة النبوية وإسقاطُ حجيتها: يتبنى موقفًا استئصاليًا صريحًا من السنة المطهرة؛ زاعمًا أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم انقضت بتبليغ ألفاظ النص، وأن سننه وتطبيقاته العملية «حلولٌ تاريخية» ناسبت عصر الصحابة ولا تُلزم أحدًا بعدهم. وهذا هدمٌ لأصلٍ قطعي؛ فحجية السنة معلومةٌ بالضرورة من صريح القرآن الذي يدّعي تعظيمه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فكيف يُبين الرسول للأمة ما نُزّل إليها إن كان بيانه غير محفوظ ولا حجة فيه؟ وكيف ثبت القرآن أصلًا إلا بالنقل المتواتر الذي نقلت به الأمة سنته العملية؟ ومن أسقط السنة جملةً فقد كذّب صريح التنزيل وعطّل أحكامه.
- تمييعُ عقيدة التوحيد وشرعنةُ الكفر: يعبث بتعريف «الإسلام» ليجرده من حقيقته الشرعية، وهي الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك، محوّلًا إياه إلى سلوكٍ نفعي عام هو «كفُّ الأذى»؛ فكلُّ مسالمٍ «مسلمٌ» في مذهبه ولو كان ملحدًا يجحد وجود الرب سبحانه. أما «الإيمان» فجعله عقدًا اجتماعيًا دنيويًا. وهذا لعمرُ الله مروقٌ صريح ينسف ركن الشهادتين، ويجعل إرسال الرسل وإنزال الكتب عبثًا لا معنى له.
- القولُ بنجاة المشركين والملاحدة في الآخرة: طردًا لأصله الفاسد، يقرر أن الجنة ليست حكرًا على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن النصارى واليهود والمجوس وعتاة الملاحدة سيدخلونها «رغم أنوفهم» متى قدموا نفعًا ماديًا للبشرية؛ ضاربًا بعرض الحائط محكمات القرآن القاطعة: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
- التسييلُ الدلالي وتحريفُ المصطلحات الشرعية: فـ«الشرك» عنده قصره على «جعل مشرّع مع الله» في قضايا تنظيمية، لا اتخاذ الند مع الله وعبادة غيره؛ و«اليهودي» عنده كلُّ من اتصف بالانغلاق ولو كان من خيار أمة محمد، لا متبع التوراة المحرفة؛ و«النصراني» هو المتعصب لرأيه. وهو المسخ الذي نعته الدكتور سامي عامري حفظه الله بحق: «تهويد المسلمين»؛ لمحو الفوارق العقدية بين أمة التوحيد وملل الكفر خدمةً للتطبيع العقدي.
- العبثُ بالتفسير لتمرير النظريات المادية: ومن فضائح جهله وزيف دعواه في اللسانيات زعمه أن قوله تعالى ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ يعني «الصفائح التكتونية»، متغابيًا عن سياق الآية الصريح في تباين التربة واختلاف الزروع والثمار. أفترى الصفائح التكتونية تُسقى بماءٍ واحد فتخرج نخيلًا وأعنابًا؟ استخفافٌ بعقول السذج يُلبسه رداء «الاجتهاد العلمي».
- مسخُ العبادات وتبديلُ الشعائر: لما عزل نفسه عن بيان السنة اصطدم بآيات الصلاة والزكاة والحج وهي مجملةٌ في القرآن، فلجأ إلى تحريف الشعائر بدل الإذعان للبيان النبوي: فالصلاة ليست ذات الركوع والسجود، والزكاة بلا مقادير ولا أنصبة، والحج فكرةٌ معنوية لا ترتبط بزمانه ولا مكانه المتوارثين. وهذا منتهى السفسطة نقلًا وعقلًا؛ فشعائر الإسلام نُقلت بالتواتر العملي القاطع، لا بأحاديث الآحاد التي يطعن في أسانيدها: صلى النبي صلى الله عليه وسلم أمام عشرات الآلاف، وصلوا أمام مئات الآلاف، وتناقلتها الأمة كابرًا عن كابر؛ والطعن في هذا التواتر هدمٌ لأصل العقل البشري في نقل التاريخ.
- الطعنُ في الصحابة وحَمَلة الشريعة: لم يسلم عدول الصحابة من لسانه، وخاصة المكثرين من الرواية كأبي هريرة رضي الله عنه؛ فرماه باختلاق الأحاديث والتأثر بالإسرائيليات، مجترًا شُبه المستشرقين وسواقط الرافضة. والطعن في النقلة إسقاطٌ للوحي نفسه؛ فمن جرح الواسطة فقد أبطل المنقول. وقد زكاهم الله من فوق سبع سماوات: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ فمن كذّب تزكية الله فقد بارز ربه بالعداوة.
- احتقارُ الفقه وأئمته بنعته «الدين الأرضي»: يروّج لمصطلح «الدين الأرضي» في مقابلة «الدين السماوي»، واضعًا فقه الأئمة الأربعة وأصول الفقه وعلوم الرواية في قفص الاتهام باعتبارها «صناعةً كهنوتية» كنسية لاستعباد الناس. وتسمية علوم الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد «دينًا أرضيًا» مصادرةٌ وقحة، يروم بها هدم قواعد الاستنباط الراسخة ليخلو له الفضاء فيفرض «دينه الأرضي» الممسوخ تحت لافتة القرآن.
فهذه ثماني مقالات من فمه، ما منها واحدة زلةَ لسان في مجلس؛ كلها تُبث وتُعاد وتُبنى عليها الحلقة بعد الحلقة، وذلك ما يجعلها منهجًا مستقرًا لا سقطاتٍ متفرقة.
«سَلِمَ» من «سَلَّ»
وأعجب ما في هذا المتفيهق أن الأداة التي اتخذها معولًا لهدم الشريعة، وهي لغة العرب، لا يُحسن أدنى مبادئها ولا يفقه أبجديات تصريفها؛ إذ هو «شيخُ نفسه» الذي توهم استغناءه عن الرسوخ بين يدي أهل العلم، ولا يُعرف له إمامٌ ولا شيخٌ في العربية جلس بين يديه. وقد سُمع بأذنيه يقرر في مجازفاته أن أصل مادة «سَلِمَ» هو «سَلَّ»؛ وهو جهلٌ يُسقطه في ميزان صبيان الكتاتيب: فمادة «سَلَّ» ثلاثيةٌ مضعّفة (سَلَلَ) لا ثنائية، وبينها وبين «سَلِمَ» بونٌ شاسع واختلافٌ جذري في أصول المعاجم. ثم كرر جهله فزعم أن جذر «الموت» هو «مَتَّ». وعلى هذه الخزعبلات الركيكة يقيم صرح تفسيره المزعوم، مقطّعًا آيات التنزيل قراءةَ العِضين. مشرفٌ للغة العربية في وزارة، مجازفٌ في أول باب من أبواب التصريف.
وأطمُّ من ذلك سقطته المعرفية وتناقضه العقلي: أنه يستند إلى «اللغة» لنقض «التراث»، غافلًا عن أن المعاني والدلالات اللغوية التي يستدل بها ليست سوى نقلٍ تراثي محض وصل إلينا بالإسناد والرواية. فإن كان النقل التراثي ساقطًا لا حجة فيه كما يتبجح، فبأي وسيلةٍ فهم معاني الألفاظ وعرف وضع الكلمات؟ إن كل معجمٍ قلّب صفحاته، وكل دلالةٍ نسبها إلى لسان العرب، إنما تسربت إلى عقله عبر الطريق التراثي الموصول نفسه الذي يستميت في هدمه.
«ليس كل لحمٍ يُلاك»
تصدى لضلالات الرجل جمعٌ من الباحثين وطلبة العلم المحققين؛ وكان من أبلغ الردود وأقطعها ما سطره الدكتور سامي عامري في مقالٍ محكم عنونه بـ«الشحرور يوسف أبو عواد.. براءةٌ من الزندقة أم إقرارٌ بها؟»، ساق فيه إجماع الأمة القطعي على كفر منكري السنة، وقال في تشريح واقعه:
«يوسف أبو عوّاد، الذي يُستَخدَم في مشروع (مجتمع) الذي يُشرف عليه أدونيس، الملحد الحاقد المعروف، لنقض الإسلام من الداخل، خرج ليدفع عن نفسه تُهمة الزندقة. وقد أحسن، إذ كشف عن حقيقة نفسه في مقام الدفاع عنها».
وتأمل هذا الملحظ الدقيق؛ فالرجل خرج ينفي عن نفسه وصمة «الزندقة» باللسان، في مقطعٍ من غير أن يغير من أصول مشروعه قيد أنملة: فما سمى مقالةً رجع عنها، ولا أقر ببطلان خرافةٍ بثها، ولا كف عن نشر أشباهها، بل مضى على المنصة نفسها وبالنهج نفسه في الحلقات التي تلت نفيه. ونفيُ التهمة مع الاستماتة في ممارسة موجباتها ليس براءة؛ هو حيلةُ العاجز للبقاء في حلبة الخداع، فكان دفاعه عن نفسه، كما قرر عامري، إقرارًا في مسلاخ إنكار، ووثيقةَ إدانةٍ جديدة تُضم إلى سجله لا ممحاةً تطهر ما اقترفه.
ولما رد عليه «أبو عمر الباحث» وفقه الله وفضح عواره، عجز أبو عواد عن مقابلة الحجة بالحجة، فانفجر مهددًا بأسلوب الزعران قائلًا بنصه: «أنتم التراثيون، وأنا أخبر الناس بكم، وقد وقعتم على خبير!»، و«ليس كل لحمٍ يُلاك!»، و«أنتم فتحتم على أنفسكم باب شرٍّ لن يُغلق أبدًا!». وهو صراخُ عاجزٍ لا برهانُ عالم؛ وكثرة الوعيد شيمةُ من خوت جعبته من الدليل. ولما تتابعت عليه سهام النقد واستحكم عليه الحصار فزع إلى حيلة الضعفاء: فقدم البلاغات الكيدية لإدارة «يوتيوب» حتى حُذفت مقاطع الردود العلمية من «قناة شؤون إسلامية» و«قناة مكافح الشبهات» و«قناة الدكتور هيثم طلعت» حفظه الله، ثم راح يوهم جمهوره أن من يطعن في تخبيطاته إنما يطعن في القرآن ذاته لا في فهمه البشري السقيم. فسلاحه حين اشتد عليه الخناق ثلاثة: تهديدٌ بالوعيد، ثم حذفٌ بالشكايات، ثم تترسٌ بالمصحف؛ وليس في الثلاثة ذرةٌ من علمٍ أو حجة. ما ناظره أحدٌ بالحجة إلا فرّ منها إلى الوعيد أو إلى زر البلاغ.
وهو اليوم في أوج نشاطه على المنصة نفسها، يبث حلقاته ويشتكي منتقديه، ولم يُعرف له رجوعٌ عن حرفٍ مما تقدم إلى تاريخ كتابة هذه السطور؛ ينفث شبهاته في عقول الناشئة عبر شاشاتٍ صُنعت بعناية لخدمة الحداثة اللادينية والتغريب. ومن أراد أن يعرف الرجل فليقرأ كلامه؛ فقد كفانا لسانُه مؤنة الحكم عليه.
ما له من سابقة: مواهبُ لم تعصمه من الانقلاب
نقّبنا في صحيفة الرجل عن سوابقه، فثبت في الأخبار التي اجتمعت لنا حفظُ القرآن والصحيحين، والإقراءُ والإجازةُ في القرآن، وشرحُ كتابٍ في الأصول للسجناء، والعملُ بالإمامة والخطابة. وهذه سوابقُ لا يمحوها اختلافُنا معه اليوم، ولا يجعل ثبوتُها مقالته اللاحقة حقًا. وله مواهبُ وأدواتٌ ونعمٌ مرت مفصلةً في مواضعها من هذه الترجمة، نجمعها هنا لنصدر فيها حكم الميزان، ونقر لصاحبها بما هو له قبل أن نزنه.
فله حفظٌ لكتاب الله أُجيز به غيبًا بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل سفره إلى المدينة، وحفظٌ للصحيحين أتمه عن ظهر قلب في دورات جمعهما أثناء دراسته الجامعية، وهذا حقٌّ نقر به له كاملًا. وله في السجن إقراءُ صاحبٍ أردني وإجازتُه بالقرآن، وشرحُ «روضة الناظر» لابن قدامة. ثم إن هذا بعينه الشاهد الأثقل عليه: فمن حمل القرآن بسنده ثم جعل الحفظ سُلمًا للتطاول على التنزيل بالرأي، ومن حمل الصحيحين في صدره ثم قال إنهما صناعةٌ بشرية، فقد أسقط بيده كل عذرٍ يُلتمس لمنكر السنة من الجهل بها. فالنعمة هنا حجة، ولا يصح أن تُتخذ ستارًا على ما آل إليه أمر صاحبها.
وله غيرةٌ صادقة على أعراض المسلمين في شبابه شهد له بها من فارقه، وهي الفكرة التي ترك من أجلها المداخلة واستقام أمره لها حينًا؛ ونقر بأنها كانت غيرةً حقًا. غير أن الرجل بدأ من هذه الغيرة، ثم جاوز المعتدلين إلى الغلاة، فأفتى بفتاوى تكفيرية تستبيح الدماء والأموال، وقصد منصب الإفتاء في جماعةٍ مقاتلة بالعراق فلم يتمكن من تولّيه. ثم صُدم بما عاين، وطُلب منه الرجوع، فعاد إلى الأردن وبدأ يتراجع عن غلوه ويعود إلى اعتداله. فغيرته الأولى تُثبت له، وغلوه الذي أعقبها يُثبت عليه، ورجوعه من العراق لا يُحكى مع إسقاط ما تبعه من تراجع.
وله ذكاءٌ وتفوقٌ مدرسي أهّله لكلية الصيدلة ثم للجامعة الإسلامية، ثم صار يسوّغ به تقلباته، فكان في انحرافه وقودًا يُشعل البدعة لا سياجًا يدفعها. وله صنعةُ تدريسٍ وخطابة راضها في مساجد عمّان ووزارة التربية ومنصة «أكاديمية البيرق»، ثم صيّرها حبالًا لاقتناص عقول الناشئة وتسميم أفكارهم. وله لسانٌ فصيح طلق ينفع في تدريس النحو لطلبة التوجيهي، ويُهلك في تفسير القرآن بغير أهله؛ اتخذه غلافًا منمقًا لترويج سفسطاتٍ تتهافت أمام مبتدئ في علم الصرف.
وأما أثرُه الراهن الذي تصدت له هذه الترجمة فلا يصير محمودًا بتلك السوابق، ولا تُجعل شهادةُ الحفظ والإقراء براءةً من الخطأ في العقيدة والتفسير. فحضورُه الملمع صناعةُ منصاتٍ محكمة التمويل، وحججه عوراتٌ يفضحها طالبُ علمٍ في مبتدأ الطلب؛ والمواهب أماناتٌ من الله، ومن استعمل نعم الله في هدم يقين المسلمين حوسب بها وبيل الحساب. فنثبت ما ثبت من سابقته، ثم نحكم على مقالته بما فيها، لا بما كان عليه قبلها.
شحروريةٌ بأدواتٍ معجمية
يقوم مشروع أبي عواد في لبابه على ركيزةٍ باطنية واحدة تجمع مقالاته الثماني التي مرت: عزلُ القرآن الكريم عن محيطه الذي نزل فيه، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بلّغه، وعن جيل الصحابة الذي عاين تنزيله وتلقاه غضًا؛ ليمسي نصًا لغويًا هائمًا يُفكك بالتحليل اللساني المعاصر وحده. وهو في حقيقته استنساخٌ ممسوخ لمشروع المهندس السوري محمد شحرور؛ وقد أقر أبو عواد في مواضع شتى بأثر شحرور في إعادة تشكيل وعيه بالإسلام، غير أنه ادعى التفوق على أستاذه بامتلاك أدواتٍ لسانية زعم أنها أعمق وأدق، سماها دجلًا «اللسان العربي المبين». ولم يجترئ على رفع راية الإلحاد الصريح؛ تدثّر بشعاره المخاتل «القرآن يكفينا»، ليحط من قدر الجناب النبوي ويجعل النبي صلى الله عليه وسلم ساعيَ بريدٍ أدى رسالته وانقضى دوره، حاسبًا كل ما أُثر عنه من سننٍ في العقائد والأحكام والأخلاق «صناعةً بشرية» و«تراثًا أرضيًا» لا يلزم المسلم في قليلٍ ولا كثير.
ولما كان إسقاط السنة يُحدث فراغًا تشريعيًا هائلًا في فهم مجملات القرآن وتطبيقها، ابتدع حيلته لملء هذا الفراغ: «التحليل اللغوي المعجمي»؛ فيفسر الآيات بمعزلٍ عن أسباب النزول وبيان النبي المعصوم وفهم سلف الأمة، متخيرًا من المعاجم ما يوافق هواه، ليخرج في النهاية بدينٍ مشوه لا يعرفه المسلمون. وقد بنى هذا الهدم على ثلاث قواعد باطلة يتهافت دونها العقل:
- أولاها: خرافةُ «نفي الترادف المطلق في القرآن»؛ وهي أصل الضلال الذي ورثه عن شحرور بحذافيره: إذ يزعم أن ما من لفظين في التنزيل يتفقان في المعنى، فلا «القرآن» هو «الكتاب»، ولا «الإسلام» هو «الإيمان»؛ ليتخذ من هذا التعسف رخصةً لاختراع دلالاتٍ فلسفية باطنية لكل مفردة، نابذًا سعة لسان العرب وتفنن أساليبهم وراء ظهره.
- وثانيتها: فضيحةُ «قصصية الحرف»؛ وهي مهزلةٌ لسانية وعقلية تضاهي طلاسم الكهنة وهرطقات الباطنية؛ إذ يدعي أن لكل حرفٍ من الهجاء دلالةً كونية وفيزيائية مستقلة، فزعم أن حرف «الصاد» يدل على «حركة ثلاثية الأبعاد»، وحرف «الشين» على «الانتشار». وبهذا الهذيان الذي يشبه السحر يفكك ألفاظ الوحي حرفًا حرفًا ليستخرج أوهامًا لم تخطر ببال أحد.
- وثالثتها: التفريقُ المبتدع بين «اللسان» و«اللغة»؛ بزعمه أن القرآن نزل بلسانٍ عربي لا بلغةٍ عربية، جاعلًا «اللسان» منظومةً كونية علوية و«اللغة» وعاءً بشريًا قاصرًا؛ وبغيةُ هذا المكر التملصُ من قواعد النحو والصرف والاشتقاق التي أجمع عليها أئمة العربية، ليصير كلام الله عجينةً رخوة يشكلها بهواه أنّى شاء.
ومنهجه المعلن غير منهجه المستخرج: يعلن «القرآن يكفينا» وتحريرَ الناس من «الكهنوت»، ويُستخرج من فعله دينٌ جديد لا يُعرف إلا من فمه، هو فيه المشرّع والمفسر والحاكم على أربعة عشر قرنًا؛ وسيأتي في ملف قوله ونقيضه ما يشهد لهذا.
وأخبث ما يورثه هذا المارق لأتباعه ثلاثة: إخضاعُ الوحي للفلسفة المادية، إذ مسخ القرآن من كتاب هدايةٍ وتزكية إلى لغزٍ فيزيائي لا تُحل طلاسمه إلا بشفرات «قصصية الحرف»؛ وتفريغُ العبادات من حقائقها لتغدو طقوسًا شكلية رخوة تتبدل هيئاتها بتغير الأهواء، تمهيدًا لإسقاط التكاليف بالكلية؛ والتجهيلُ لأمة الإسلام قاطبة، إذ يلزم من مذهبه أن الأمة، بصحابتها الكرام وتابعيها الأعلام وأئمتها المجتهدين، عاشت أربعة عشر قرنًا في التيه والجهل بكلام ربها حتى طلع عليها هذا المتفيهق فاهتدى لما عجزت عنه القرون؛ وهو لزومٌ فاحش يطعن في حفظ الله لدينه وتبيانه لكتابه.
وثمرةُ مشروعه الحقيقية بثُّ حالةٍ من السيولة الفكرية والعدمية والشك في صفوف مريديه؛ فما أقام حركةً علمية، ولا خرّج طالبَ علمٍ واحدًا يملك أداة التحقيق والرسوخ؛ وانحصر أثره في تفتيت اليقين في قلوب الناشئة، وتجرئة الرعاع على الاستخفاف بكتب الصحاح وإجماع الفقهاء؛ فصار مشروعه جسرَ عبورٍ لكل من أراد التحلل من أثقال الشريعة مع التشبث بلقب «مسلم» بمفهومه الشحروري الممسوخ. وعلى يديه تعلّم جيلٌ من الشباب كيف يستخف بالصحيحين وهو لم يقرأ منهما بابًا. فيا من أعجبك هدوءُ صوته وأناقةُ استوديوه، انظر ما الذي خرجتَ به بعد مئة حلقة: أعرفتَ كيف تصلي؟ أزددتَ يقينًا بربك؟ أم ازددتَ شكًا في كل ما كان عندك يقينًا؟ فتلك ثمرة الرجل في أتباعه: علّمهم الهدم والتشكيك، وما علّمهم كيف يبنون دينًا أو يقيمون حقًا.
قولُه ونقيضُه: مشروعٌ يهدم نفسه بيده
إن المشاريع الباطلة تحمل بذور فنائها في أحشائها؛ وهذه سبعُ تناقضاتٍ صارخة من أصول مذهبه ومسيرته، تُعرض على صريح العقل وميزان البرهان ليهلك من هلك عن بينة:
أولًا: التناقضُ المعرفي في التوثيق
يرد الأحاديث النبوية بدعوى أنها «دُوّنت بعد عصر النبوة بقرون، فكيف نثق بنقلها؟»، ثم يبني مشروعه التفسيري كله على معاجم لغوية متأخرة: «لسان العرب» لابن منظور (ت 711 هـ / 1311 م)، و«القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ت 817 هـ / 1415 م). فديوان السنة المدوّن في القرن الثالث الهجري ساقطٌ عنده لبُعد العهد، ومعجمٌ جُمع في القرن الثامن الهجري حجةٌ قطعية معصومة في فهم لسانٍ أُنزل في القرن الأول.
ثانيًا: دعوى استغناء القرآن والقعود بالساعات لتفسيره
يرفع شعاراً مخاتلاً يطرب له السذج، زاعماً أن آيات القرآن مستغنيةٌ بذاتها لا تحتاج إلى تفاسير التراث ولا إلى بيانٍ من خارجها؛ ثم ينقض غزله بيده حين يجلس بالساعات الطوال أمام الكاميرات ليفسر الآيات ويفرض فهمه الباطل على عقول الناس. فلو صدق في زعمه أن النص لا يفتقر إلى شارحٍ ولا وسيط، لكان أولى به أن يعتزل الشاشات ويصمت ليُريح المسلمين من شره؛ لكنه دجالٌ رام إسقاط تفاسير أئمة الأمة وتجريد النص من بيانه التاريخي المتوارث، لينفرد هو بالقرآن ويصنع لنفسه كهنوتاً بديلاً يتسلط به على عقول مريديه.
ثالثًا: ادعاءُ التحرر وممارسةُ أغلظ الكهنوت
يشنّع على فقهاء الأمة زاعمًا أنهم فرضوا «كهنوتًا» ونصبوا أنفسهم أوصياء على الوحي، منادِيًا بتحرير العقول وبحق كل أحد في فهم القرآن مباشرة؛ حتى إذا استوى أمام الكاميرا مارس أغلظ الكهنوت وأقبح الاستبداد: يفرض شذوذاته، ويسفّه كل من خالفه، ويطالب جمهوره بإلقاء فهم أربعة عشر قرنًا وراء ظهورهم ليأخذوا بفهمه هو وحده؛ ثم يبلغ ذروة التلبيس والكهانة حين يُوهم أتباعه بأن كل من اعترض على خرافاته وفضح عواره إنما يعترض على القرآن ذاته لا على فهمه البشري السقيم، ليجعل من عقله المريض عين التنزيل المعصوم.
رابعًا: المفارقةُ في دواعي النقل التاريخي
يجحد قدرة الأمة على حفظ حديثٍ تلقته بالقبول كحديث «إنما الأعمال بالنيات»، بينما يثبت بيقينٍ أن الأمة قادرةٌ على نقل معاني مفردةٍ لغوية مثل «ضَرَبَ» في قواميس لسان العرب؛ مع أن دواعي نقل الشرائع والعبادات في الأمم أعظم وأقوى بآلاف المرات من دواعي نقل المفردات المعجمية المجردة.
خامسًا: تقلبُ الأحكام وثباتُ دعوى الانفراد بالفهم
بدّع المشايخ وطلبة العلم في طور غلوه المدخلي، ثم جاوز التبديع إلى التكفير، فكفّرهم وكفّر جموع المسلمين بغلوه وقطيعته وفتواه، ثم انقلب في طوره الشحروري يسفّه أهل العلم ويفتح أبواب الجنان للملاحدة والجاحدين. فاختلفت الأحكام وتبدلت الرايات، وبقيت في مجالس غلوه قاعدةٌ واحدة: أن فهمه الشخصي هو الميزان الأوحد للدين، ومن خالفه فهو أعمى لا يفقه.
سادسًا: نفيُ الاسم والاستماتةُ في تثبيت المسمى
يخرج متباكيًا لدفع وصمة «الزندقة» عن نفسه باللسان، بينما هو ماضٍ في المشروع الذي استوجب به تلك الوصمة؛ فنفى اللفظ بحيلة المخادع، وأصر على الحقيقة ومارسها في كل بث.
سابعًا: تصدّرٌ تتبدل رايته ولا تتبدل دعواه
تصدّر للتبديع في طوره المدخلي، ثم تصدّر للفتوى التكفيرية في المدينة لما قيل له «أنت شيخنا»، وسافر إلى العراق قاصدًا منصب الإفتاء قبل أن يحمل شهادة البكالوريوس، فلم يتمكن من تولّيه؛ ثم عاب على أهل العلم «الكهنوت»، وتصدر لتفسير القرآن باللغة وتسفيه فقه الأئمة. وملازمتُه شيخًا في أول طلبه، وشهاداتُه الجامعية التي نالها بعد ذلك، أخبارٌ تُثبت له، لكنها لا تجعل كل اجتهادٍ يدّعيه صوابًا، ولا كل متقدمٍ عليه في العلم مخطئًا. فموضع النقد ادعاءُ الانفراد بالفهم وفرضُه على الأمة، لا إنكارُ أصل دراسته. وحافظُ القرآن بالسند، وحافظُ الصحيحين غيبًا بالأمس، صار طاعنًا في حجية السنة بالشاشة اليوم.
فهذه سبعُ قواصم من صريح فمه وقبيح مسلكه، تُسقط بنيانه من القواعد، وتغني الناقد عن التماس شاهدٍ من خارج صحيفته.
الآلةُ المكسورةُ والوقودُ القديم
ويصف صديقه الأردني المقرّب طبعه بلفظين: «شديد الحساسية»، و«ضعيف الشخصية مهزوز من الداخل»؛ ويرى أن لهذه الخصلة دورًا رئيسًا في تقلباته الفكرية، فيكفيه موقفٌ عاطفي واحد ليفكر بجدية في أنه على طريق خطأ. وهذه أوصافُ من خالطوه وتفسيراتُهم لما شاهدوه، وليست في المادة التي بين أيدينا تشخيصًا طبيًا موثقًا. وقد نُقلت عنه في السجن أحوالُ اضطراب، ونُقلت معه أحوالُ حفظٍ وإقراءٍ وشرح؛ فلا يُلغى أحد الخبرين بالآخر. وأما انفعالاته عند النقد فقد مر بك وعيده الخاوي لأبي عمر الباحث: صياحُ عاجزٍ أحرقه فقدان الحجة فاستعاض عنها بالتهديد.
والخيطُ الناظم لأطوار غلوه، في تفسير عارفيه وصاحب هذه الترجمة، نزعةُ الاستعلاء وهوسُ التصدر. بها فُسّر انتقاله من كلية الصيدلة إلى الشريعة، وبها فُسّر اغتراره بعباءة المشيخة حين قيل له «أنت شيخنا» وهو في أول الطلب، وطلبُه منصب الإفتاء في العراق قبل أن يتخرج، ثم ركوبُه بعد نيل الدكتوراه موجة الشذوذ بدعوى «الإتيان بما لم تستطعه الأوائل». تبدلت الرايات من التبديع الغالي إلى التكفير، ثم إلى تسفيه أهل العلم وتنجية الملاحدة، وبقيت في هذه الأطوار دعوى أن فهمه هو المحور الأوحد للدين، ومن خالفه فهو جاهلٌ لا يفقه؛ ولسان حاله يضاهي قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. وهذا تفسيرٌ للدوافع من مجموع خبره، لا شهادةٌ على سريرةٍ لا يعلمها إلا الله.
وقد اجتمعت في تفسير انقلاباته أقوالُ ثلاثة شهود، مع اختلاف ما شاهده كل واحدٍ منهم وما بلغه من خبره. فالشيخ الدكتور طرهوني ربط انحرافاته اللاحقة بما عرفه من أحواله في المعتقل، وذكر في تفسيرها احتمالَ مسٍّ شيطاني أو تدهورٍ نفسي وانفصام، ورجّح أن ضعف شخصيته استُغل بعد ذلك. ورفيقه القديم فسر أمره بردة الفعل النفسية الصادمة، وتحطم حلم الرفعة، وذل السجن لمن لم يعتد الهوان. وصديقه الأردني المقرّب رد جانبًا كبيرًا من تقلبه إلى حساسيته المفرطة وضعف شخصيته، وما أصابه من صدمةٍ في العراق وأذًى في السجن وسخطٍ على من رافقوه. وأما صلته بأصحابه بعد العودة فقد صحح الخبرَ الواردَ فيها ما بلغنا من أن القطيعة كانت من جهته مع حرصهم على زيارته واللقاء به؛ فلا يُجعل إعراضُهم عنه علةً في التفسير بعد انتفاء خبره. فهذه قراءاتٌ لأحوال الرجل يجمعها الاعتدادُ بأثر المحنة وطبيعته في تقلبه، ولا تقوم مقامَ البرهان على كل دافعٍ باطن.
قلتُ: ومن مجموع هذه الأخبار يظهر وجهُ تفسير عارفيه لتقلباته بما نزل به من الصدمات وما عرفوه من طبعه؛ لكن ينبغي ألا يُطمس في هذا التفسير ترتيبُ الوقائع: صُدم بواقع الجماعات في العراق، فرجع إلى الأردن وبدأ يعود إلى اعتداله، ثم عاد إلى الجامعة فاعتُقل، ثم خرج بعد سنين وعمل إمامًا وخطيبًا وواصل دراسته وتدريسه، ثم بدأ ميله إلى الأفكار الحداثية شيئًا فشيئًا. فلا يُجعل خروجه من السجن وحده تاريخًا لانقلابه اللاحق، ولا تُجعل قطيعةٌ اختارها هو هجرانًا وقع عليه من إخوانه. ولا يُستبعد أن تتجدد تقلباته إن تبدلت رياح المنصات ومصالح التمويل؛ فمَن جعل فهمه وحده الميزان لم يأمن الاضطراب. وفي التحذير من المجادلة في آيات الله بغير سلطان كفايةٌ لمن اعتبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾.
الخلاصة النهائية
قلتُ: خلاصةُ أمر يوسف أبو عواد أنه صاحبُ تقلباتٍ لم يعصمه منها حفظُه ولا ما تلقّاه في أول طلبه: نشأ سليمَ المعتقد، ثم مال في الجامعة إلى الغلو المدخلي، فاعتدل حينًا، ثم غلا في التكفير حتى سافر إلى العراق قاصدًا الإفتاء لجماعةٍ مقاتلة فلم يتمكن من تولّيه، ثم صُدم بواقعها ورجع إلى الأردن وبدأ يعود إلى اعتداله. وعاد إلى جامعته فاعتُقل في نهاية 2006 م، وأتم البكالوريوس في السجن سنة 2007 م، ثم خرج بعد أكثر من خمس سنوات من غير محاكمة، وعمل بالتعليم والإمامة والخطابة، ودرس في الأردن حتى نال الدكتوراه سنة 2018 م. ثم آل أمره إلى الفكر الشحروري الذي يميّع الكفر ويفتح أبواب الجنان للملاحدة؛ فانتقل في مجالس غلوه من تبديع أهل العلم إلى تكفيرهم ثم تسفيههم، وهو يدّعي في كل طورٍ أن فهمه وحده هو الميزان. ثم استقر أمره على مشروع ثابت في نقض أصول الدين، متخذًا من «القرآنية» ستارًا لطعن الإسلام في مقتله؛ فإن الدين بلا سنة نبوية هيكلٌ خاوٍ يُملأ بأهواء كل ناعق. ومقالته في إنكار السنة القولية والعملية، وتحريفه شعائر الإسلام المتواترة كالصلاة والزكاة، وطعنه في نقلة الوحي من الصحابة، مقالاتُ هدم لا ريب فيها، وما يدعو إليه كفرٌ بواح بحكم الشريعة؛ لأنه تكذيبٌ لنصوص القرآن الآمرة باتباع الرسول، وتكذيبٌ للتواتر القطعي. ودفعُه تهمة الزندقة عن نفسه لا يغير من هذا شيئًا؛ فقد نفى وهو مقيمٌ على ما نُفي عنه، والعبرة بالمنهج لا باللفظ.
وما في الرجل من حفظٍ وإجازةٍ وذكاء وفصاحة وصنعة خطاب فقد مضى وزنه في موضعه: أدواتٌ ونعمٌ لا تمنع من نقد استعماله اللاحق لها في الهدم، ولا تُسقط ما ثبت له قبل ذلك من إقراءٍ وتعليم. والحكم الحاسم الذي لا لبس فيه: لا يحل لمسلم أن يأخذ عن هذا الرجل شيئًا من دينه، ولا أن يستمع إلى مقاطعه إلا على وجه الرد والنقض ممن كان من أهل التخصص، وتقديمه للناس على أنه «مفكر إسلامي» أو «مجدد» تلبيسٌ عظيم؛ فما هو إلا أداة تفكيك ومعول هدم، استُخدمت لغة العرب فيه لضرب دين العرب والعجم. ومن خبر تاريخه علم أن انقلابه الحاضر قد لا يكون الأخير؛ فالرجل ابن الظرف لا ابن الدليل، ويُخشى على أتباعه اليوم أن يفاجئهم غدًا بوجهٍ آخر.
وطريقه كله شاهدُ هذا الحكم وخاتمه: طفلٌ من بيتٍ مستقيم، أبوه رجلٌ عامي، حفظ القرآن وأُجيز فيه غيبًا قبل سفره إلى المدينة، ورفع اسم بلده في مسابقات الحفظ، ولازم الشيخ جمال الباشا، ثم حمل الصحيحين في صدره أثناء الجامعة؛ انتهى رجلًا يستغل هذا الحفظ بعينه في هدم حدود الله وتكذيب نبيه صلى الله عليه وسلم. مر الطريق بغلوٍ مدخلي فاعتدال، وبليلةٍ عند باب المسجد النبوي قال فيها إن أمورًا تتغير، وبأسابيع في العراق قصد فيها الإفتاء فلم يتولّه، ثم صُدم بالواقع فعاد وبدأ يراجع غلوه، وبسنين في السجون أُوذي واضطرب في بعض أحوالها، وحفظ وأقرأ وشرح في أحوالٍ أخرى، وأتم البكالوريوس خلف قضبانها. ثم عاد إلى وطنه من غير محاكمة، واستقبلته سلطاته بهديةٍ مالية لا تنهض وحدها دليلًا على تجنيدٍ أو شراء، وأغلق هو باب التواصل مع صحبته القديمة مع حرصهم عليه؛ وعمل إمامًا وخطيبًا ومدرسًا، وواصل دراسته حتى الدكتوراه، ثم باع مكتبته الشرعية في طور تحوله، وظهر على المنصة الممولة وظل يخطب مدةً في أثناء ذلك الظهور. وها هو يجلس في استوديو معزول يبث مقاطع تشاهدها الملايين، وهي لا تبني مسجدًا، ولا تقيم صلاة، ولا تخرج جيلًا يعرف معروفًا أو ينكر منكرًا؛ لم يصنع بمشروعه هذا دينًا يستقر عليه الناس، وإنما صنع حالةً من الشك الدائم. وهذه آفة التصدر بلا آلة، والتجرؤ على حياض الوحي بغير طهارة علمية. وقد ختم رفيقه القديم شهادته عنه بعبارةٍ تقطر أسى: «لقد كان من الممكن أن يكون مشروعَ رجلٍ ينفع الله به»؛ وصدق، وما أضاعه إلا نفسُه.
نسأل الله سبحانه أن يرد كيده في نحره، وأن يقيض لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من يفضح باطله، وأن يكف عن المسلمين شر ما أصّل، وأن يهدي من اغتر ببيانه؛ وأن يرده هو إلى الحق ردًا جميلًا، فيعود إلى الصحيحين اللذين حفظهما فيقرأهما بقلب من يصدّق لا بعين من يفتش عن ثغرة، ويعود إلى القرآن الذي أُجيز فيه فيتلوه كما تلاه صغيرًا في المسابقات، ذاكرًا لا محرفًا؛ فذلك الطفل الحافظ كان يمكن أن يكون غير الذي كان. اللهم من أضله بلسانه فاهده، ومن هدمت شبهاته يقينه فثبّته، ومن قرأ هذه السيرة فاجعلها له عبرةً في نفسه قبل أن تكون خبرًا عن غيره. وأمره إلى الله الذي يعلم السر وأخفى.
سجل المصادر
- شهادة رفيقه القديم، وقد عرفه قبل الجامعة الإسلامية ورافقه فيها وكان من خواصه: منها خبر البيت والنشأة والمسابقات والصيدلة، ووصفه طالبًا في المدينة، وليلة الانقلاب الأول بنصوصها، و«أنت شيخنا»، وخبر المناصحة في السجن، وشهادته في نفسيته، وأسفه عليه في الختام. وأخبار صلته بصحبته بعد العودة ضُبطت في هذه النسخة بالتصحيح الذي يثبت أن القطيعة كانت من جهته، لا من جهة أصحابه.
- شهادة صديقه الأردني المقرّب، الذي عرفه في المدينة وكان مقرّبًا منه حتى مرحلة عودته من السجن في السعودية، وبلغتنا شهادته في ربيع الآخر 1448 هـ (سبتمبر 2026 م): منها إجازته في القرآن وحفظه الصحيحين في دورات الشيخ يحيى اليحيى، وسنة دخوله الجامعة، وأطواره بين المدخلية والاعتدال والتكفير، وأصل خبر السفر إلى العراق واسم الواسطة والعودة بعد أسابيع، وأصل خبر الاعتقال ومدة السجن وإتمام البكالوريوس فيه بوكالة زميل، وما نُقل من الضرب والإهانة، وتصديق أصل واقعة الرقية، وسخطه على رفاق طريقه، واستقبال الحكومة الأردنية له والمبلغ، ووصف نفسيته وتلخيص بعض أطواره. وقد اعتُمدت التصحيحات اللاحقة في ضبط صيف 2006 م للسفر، ونهاية 2006 م للاعتقال، وسنة 2007 م للبكالوريوس، وقصد الإفتاء دون تولّيه، وسائر التفاصيل التي استُدركت؛ فلا تُنسب إلى هذه الشهادة تفاصيلُ مصححة لم يتعين أنها صدرت عن صاحبها.
- شهادة الشيخ الدكتور محمد رزق طرهوني، رفيق معتقله في تلك السنين: وصف حاله في السجن، وواقعة الرقية والانهيار بتفاصيلها، وتفسيره انحرافاته اللاحقة.
- مقال الدكتور سامي عامري «الشحرور يوسف أبو عواد.. براءة من الزندقة أم إقرار بها؟»: نقل الإجماع على كفر منكري السنة، ونصه في استخدامه داخل مشروع «مجتمع»، ومصطلح «تهويد المسلمين».
- ردود أبي عمر الباحث: وما نُقل فيها من وعيد أبي عواد بنصه.
- مقاطع أبي عواد نفسه على منصة «مجتمع» وبرنامج «مفاهيم» وقناته: منها مقالاته في الشرك والكفر ونجاة الملاحدة، وقواعده الثلاث، وأغلاطه التصريفية، واعترافه بأثر شحرور، ومقطع نفيه الزندقة.
- تعريفه الشخصي المنشور: منه نُقل وصفُ تخصصه في الماجستير والدكتوراه بأنه «اللسانيات»، ووظيفته، ومنصة «أكاديمية البيرق». وأما اسم «جامعة العلوم الإسلامية العالمية» بعمّان وسنة الدكتوراه 2018 م فمصدرهما التصحيح اللاحق المرفق بهذه المراجعة.
- أرشيف الأخبار الأردنية وخبر من وكالة عمون: مطالبات أبيه العلنية بالإفراج عنه وخبر الإفراج عنه.
- تقرير مؤسسة راند الأمريكية «الإسلام الديمقراطي المدني»: التوصية بدعم الحداثيين ومنكري السنة ومنحهم المنصات.
- واقعة حذف مقاطع الردود بشكاواه إلى يوتيوب من قنوات: شؤون إسلامية، ومكافح الشبهات، والدكتور هيثم طلعت.
- التصحيحات والزيادات التي وردت لهذه المراجعة يوم 18 سبتمبر 2026 م: منها مولده سنة 1984 م في عمّان وأصله من الخليل وإقامته في جبل الزهور، وحال والده، وسلامة معتقده قبل الجامعة وإجازته القرآنية قبل السفر، وملازمته الشيخ جمال الباشا ومحبته وثناؤه عليه، وضبط أطواره وتواريخها، ومطالعاته في عام 2006 م، وقصد الإفتاء دون تولّيه، ومطالبة الجماعة له بالرجوع وتراجعه بعد العراق، ومسار العودة والاعتقال، ومدة السجن ومدنه، وتصحيح خبر المضايقات والرقية، وشرح «روضة الناظر» والإقراء والإجازة لصاحبه الأردني في السجن، والإفراج بلا محاكمة، وسياق الهدية المالية وترجيح تفسيرها، وكون القطيعة من جهته، ودراسته العليا وجامعته وسنة الدكتوراه، وعمله بالإمامة والخطابة والتدريس الخصوصي، واستمرار الخطابة في أثناء الظهور على المنصة، وبيع مكتبته الشرعية كاملةً، والمقابلة بين مجالس الغلو الثلاثة. وهذه الزيادات مادةٌ منقولة، وما ورد فيها من وصف حاله النفسية حكايةٌ لأوصاف ناقليها، لا تقريرٌ طبي؛ وصاحبه الأردني في السجن الذي تلقّى عنه الإجازة لا يُعيَّن بأنه الصديق الأردني المقرّب المذكور في صدر السجل بغير بينة.
استوت هذه الترجمة على صورتها الرابعة يوم الجمعة 18 من سبتمبر 2026 م؛ وكانت قد كُتبت أولًا في صفر 1448 هـ (أغسطس 2026 م)، وأُعيد بناؤها في ربيع الأول من السنة نفسها، ثم بلغتنا شهادةُ من عرفه من قرب فأُدمجت في صورتها الثالثة المؤرخة يوم الخميس 17 من سبتمبر 2026 م، ثم وردت الزيادات والتصحيحات التي بُنيت عليها هذه المراجعة. وما جدّ بعد هذا اليوم من قولٍ أو رجوع فله حكمه؛ والرجوع الذي يُعتد به رجوعُ المنهج بعلاماته، لا دفعُ تهمةٍ مع الإقامة على موجبها، ونسأل الله أن يكون التعديل القادم في هذه الصفحات خبرَ توبته. ومن عنده زيادةٌ أو تصحيح فبابنا له مفتوح.






