محمد بن صالح العثيمين | |
|---|---|
![]() | |
| النسب | الوهبة من بني تميم |
| الميلاد | 27 رمضان 1347هـ - عنيزة، السعودية |
| الوفاة | 15 شوال 1421هـ - جدة، السعودية |
| البلد | السعودية |
| التخصص | الفقه والتفسير والعقيدة |
| القسم | دعاة وعلماء |
| الفئات | أهل السنة |
الشيخُ العلامة، الفقيهُ المفسِّر، المحققُ الورعُ الزاهد، محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن آل عثيمين، من الوهبة من بني تميم. وُلد ليلةَ السابع والعشرين من رمضان سنة 1347 هـ في عنيزة من محافظات القصيم بالمملكة العربية السعودية، وتوفي رحمه الله بجدة في الخامس عشر من شوال سنة 1421 هـ، وله أربعٌ وسبعون سنة.
كان معلِّمًا خالصَ الصنعة: يأخذ المسألة من دليلها، ثم يبسطها بعبارة يفهمها العامي ولا يزهد فيها العالم. يحرِّر تحريرَ المدقق، ويتقبل سؤال المبتدئ تقبلَ المربي، في سكينةٍ وثقة، وهمةٍ لا يعرف البذلُ عندها فتورًا، وابتهاجٍ بنشر العلم يلمسه كل من جلس إليه. وجمع إلى فقه الأحكام فقهَ اللسان الذي نزل به الوحي؛ فكان يسبر معاني العربية وإعرابها وبلاغتها، ويقع له من دقائق الفهم عن الله ورسوله ما يشهد له بالرسوخ.
وموضعه من عصره موضعُ الوارث الذي حفظ الميراث وكثَّره: وارثُ حلقة الجامع الكبير بعنيزة، وأحدُ من انتهى إليهم أمرُ الفتوى في جيله. عرفه طلاب العلم في حلقاته وشروحه، وعرفه عوامُّ المسلمين في الآفاق بصوته يجيب سائليهم من إذاعة «نور على الدرب»؛ فاجتمع له المحرابُ والكرسيُّ والمذياع، وهو اجتماعٌ لم يتهيأ إلا لآحاد أهل العلم.
وهو من الراسخين في العلم الذين رزقهم الله القبولَ في الأرض: تطمئن القلوب إلى اختياراته الفقهية اطمئنانَها إلى من لا يقول إلا بدليل، وأحبَّه من رآه ومن لم يره. وسيرته صافية من أولها إلى آخرها: طلبٌ، فتعليمٌ، ففتيا، ثم مضى إلى الله نقيَّ الصفحة موفورَ الذكر.
محتويات
وُلد ليلة سبع وعشرين من رمضان
نشأ الصبي في بيت صلاح، فوجَّهه أبوه رحمه الله أولَ ما وجَّهه إلى كتاب الله: قرأ على جده لأمه معلِّمِ القرآن الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، وتعلم الكتابة وشيئًا من الحساب والنصوص الأدبية في مدرسة الأستاذ عبد العزيز بن صالح الدامغ، ثم انتقل إلى مدرسة معلم القرآن الشيخ علي بن عبد الله الشحيتان، فأتم حفظ القرآن عن ظهر قلب ولمَّا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
وكم من صبي حفظ مبكرًا ثم شغلته الدنيا عمَّا حفظ! أما هذا فكان القرآن أولَ زاده لا آخرَ أمره: أقبل بتوجيه والده على طلب العلم الشرعي، فانضم إلى حلقة الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع حتى أدرك ما أدرك من التوحيد والفقه والنحو، وتهيأ لما هو أكبر.
حلقة السعدي
ثم جلس في حلقة العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، فقرأ عليه التفسير والحديث والسيرة النبوية والتوحيد والفقه والأصول والفرائض والنحو. وهو شيخه الأول الذي أخذ عنه العلم معرفةً وطريقةً أكثر مما أخذ عن غيره؛ وعنه ورث التأصيل واتِّباع الدليل وطريقة التدريس التي عُرف بها من بعد.
وتوسَّم فيه السعدي النجابةَ وسرعةَ التحصيل، فقدَّمه إلى التدريس وهو بعدُ طالبٌ في حلقته: جلس يعلِّم الناس في الجامع الكبير بعنيزة سنة 1370 هـ، وله يومئذ ثلاثٌ وعشرون سنة. فما ظنُّك بشيخ يدفع تلميذَه إلى كرسيِّه في حياته؟ تلك شهادةٌ من السعدي لا تعدلها إجازة.
سنتا الرياض
ولما فُتح المعهد العلمي في الرياض التحق به سنتي 1372 و1373 هـ، فأدرك فيه جماعةً من كبار أهل العلم: انتفع بالعلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان، وبالشيخ الفقيه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد. وفي أثناء ذلك اتصل بالشيخ عبد العزيز بن باز، فقرأ عليه في المسجد من صحيح البخاري ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وفتح له ابنُ باز بابَ النظر في آراء فقهاء المذاهب والموازنة بينها، فصار شيخَه الثاني في التحصيل والتأثر.
ثم رجع إلى عنيزة سنة 1374 هـ فعاود ملازمة السعدي، وتابع دراسته انتسابًا في كلية الشريعة بالرياض حتى نال الشهادة العالية، وعُيِّن في السنة نفسها مدرسًا في المعهد العلمي بعنيزة.
فهؤلاء أشياخه الذين بُني عليهم علمه:
- عبد الرحمن بن ناصر السعدي: شيخه الأول؛ قرأ عليه التفسير والحديث والتوحيد والفقه والأصول والنحو، وتوفي سنة 1376 هـ.
- عبد العزيز بن عبد الله بن باز: شيخه الثاني؛ قرأ عليه صحيح البخاري ورسائل ابن تيمية، وانتفع به في الحديث والفقه المقارن.
- محمد الأمين الشنقيطي: العلامة المفسر صاحب أضواء البيان؛ انتفع به في سنتي المعهد العلمي بالرياض.
- عبد الرحمن بن علي بن عودان: قاضي عنيزة؛ قرأ عليه في علم الفرائض.
- عبد الرزاق عفيفي: درس عليه النحو والبلاغة أيام كان مدرسًا في عنيزة، وصار بعدُ عضوَ هيئة كبار العلماء.
- عبد العزيز بن ناصر بن رشيد: الشيخ الفقيه؛ انتفع به في المعهد العلمي بالرياض.
ستةُ أسماء لا أكثر، لكن انظر مواقعها: إمامُ التفسير التربوي في نجد، وإمامُ الفتوى في الجزيرة، وإمامُ أضواء البيان. فمن جلس إلى هؤلاء ثم اجتهد لم يُستغرب له بلوغ.
خلافة الجامع الكبير
وفي سنة 1376 هـ مات شيخه السعدي، وللتلميذ تسعٌ وعشرون سنة، فقام مقامه: تولى بعده إمامة الجامع الكبير بعنيزة، وإمامة العيدين، والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية. وقلَّ أن يخلُف تلميذٌ شيخَه في كرسيه فيثبت؛ وقد ثبت هذا في كرسيِّ شيخه خمسًا وأربعين سنة حتى مات.
واجتمع إليه الطلاب يفدون من داخل المملكة وخارجها، حتى كانوا يُعدُّون في بعض الدروس بالمئات. وكان له في التعليم مسلك عُرف به: يناقش طلابه ويتقبل أسئلتهم، ويلقي دروسه بهمة عالية ونفس مطمئنة واثقة، مبتهجًا ببذل العلم وتقريبه إلى الناس؛ فكان درسه علمًا يُؤخذ وطريقةً تُتعلَّم.
دروس تبلغ الحرمين
ثم اتسعت دائرته من جامع عنيزة إلى منابر البلاد كلها. انتقل سنة 1398 هـ إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وبدأ سنة 1402 هـ يدرِّس في المسجد الحرام والمسجد النبوي في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية، وعُيِّن سنة 1407 هـ عضوًا في هيئة كبار العلماء، وله يومئذ ستون سنة.
وتتابعت عليه من المسؤوليات ما لم يطلب منها شيئًا:
- عضوية هيئة كبار العلماء من سنة 1407 هـ حتى وفاته.
- عضوية المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بين سنتي 1398 و1400 هـ.
- عضوية مجلس كلية الشريعة وأصول الدين بفرع الجامعة في القصيم، ورئاسة قسم العقيدة فيها.
- رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الخيرية في عنيزة منذ تأسيسها سنة 1405 هـ حتى وفاته.
- عضوية لجنة التوعية في موسم الحج من سنة 1392 هـ حتى وفاته.
- الإجابة في برنامج «نور على الدرب» من إذاعة القرآن الكريم، وكان من كبار علماء المملكة المجيبين فيه.
- محاضرات عامة في مختلف مناطق المملكة، ومحاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية حول العالم.
فتأمل هذا الجرد ثم اذكر أنه لم يغادر عنيزة سكنًا: بلغ الدنيا كلَّها وهو مقيم في بلدته، يعلِّم في جامعها كما كان يوم كان طالبًا.
عشرات الكتب وآلاف الساعات
اتصل عطاؤه أكثر من خمسين سنة تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا ووعظًا ودعوةً إلى الله. وعُني بالتأليف وتحرير الفتاوى والأجوبة، فتميزت بالتأصيل العلمي الرصين، وصدرت له عشرات الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى والخطب، ومعها آلاف الساعات الصوتية من دروسه في تفسير القرآن الكريم وشروح الحديث الشريف والمتون العلمية الشرعية والنحوية.
وتقوم مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية على إخراج آثاره العلمية كلها والعناية بها. قلتُ: وميراث العالم المسموع لا يقلُّ بقاءً عن مكتوبه؛ فالرجل ما زال يعلِّم بصوته بعد موته كما كان يعلِّم في حياته، وهذا من القبول الذي كُتب له.
«الورع ورحابة الصدر وقول الحق»
وفي سنة 1414 هـ (1994 م) نال جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام. وليست العبرة بالجائزة، فالجوائز تصيب وتخطئ، وإنما العبرة بما علَّلت به لجنةُ الاختيار منحَها: تحلِّيه بأخلاق العلماء الفاضلة وأبرزُها الورع ورحابة الصدر وقول الحق، وانتفاعُ الكثيرين بعلمه تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا، ومحاضراتُه العامة النافعة في مختلف مناطق المملكة، وأسلوبُه المتميز في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديمُه في نفسه مثلًا حيًّا لمنهج السلف الصالح.
قلتُ: هذه ألفاظ لجنةِ تحكيم لا ألفاظُ محبٍّ؛ وقلَّ أن تجتمع للرجل شهادةُ اللجان وشهادةُ قلوب العامة، وقد اجتمعتا له.
القَبول
كان رحمه الله ممن وهبه الله تأصيلًا وملكةً عظيمة في معرفة الدليل واتباعه، واستنباط الأحكام والفوائد من الكتاب والسنة، وسبر أغوار اللغة العربية معانيَ وإعرابًا وبلاغة. وأحبه الناس محبة عظيمة، وقدَّره الجميع، ورُزق القبول لديهم؛ فاطمأنوا إلى اختياراته الفقهية، وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلمية ينهلون منها. والقبول لا يُشترى ولا يُورَّث؛ هو أثر الصدق إذا وقع في القلوب.
ورزقه الله خمسة بنين: عبد الله وعبد الرحمن وإبراهيم وعبد العزيز وعبد الرحيم، وثلاث بنات.
قبيل مغرب الأربعاء
توفي رحمه الله في مدينة جدة قبيل مغرب يوم الأربعاء، الخامس عشر من شوال سنة 1421 هـ. وصُلي عليه من الغد في المسجد الحرام بعد صلاة العصر، وشيَّعته آلافٌ من المصلين في مشاهد مؤثرة، ودُفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة. فلما كانت الجمعة صُلي عليه صلاة الغائب في مدن المملكة العربية السعودية كلها.
قف عند طرفي هذا العمر وقفة: صبيٌّ يولد في عنيزة ليلة السابع والعشرين من رمضان، وشيخٌ يُصلَّى عليه في المسجد الحرام وتقام له صلاة الغائب في كل مدينة من مدن بلاده. ما بين الطرفين لا مالَ جُمع ولا منصبَ طُلب؛ علمٌ بُذل خمسين سنة واحتُسب. فاللهم ارزقنا من بركة الأعمار ما رزقته.
الخلاصة النهائية
عالمٌ رباني من الراسخين، جمع الفقه والتفسير والعربية على أصل التوحيد ومنهاج السلف، وأفنى عمره في تعليم الناس دينهم بأيسر عبارة وأثبت دليل. علمُه كله مأمونُ المأخذ سليمُ الأصل، تُقدَّم كتبه وشروحه وأشرطته لطالب العلم المبتدئ والمتوسط والمنتهي؛ فما تكاد تقرأ له مصنفًا إلا خرجت منه بتأصيل. ولم يُحفظ عنه ما يُستدرك به على ديانته ولا على منهجه، وحسبك برجل تتقلب في سيرته كلها فلا تقع إلا على علم يُبذل وخلق يُقتدى به.
بدأ في حلقة قرآن صغيرة بعنيزة، وانتهى إلى قبر بجوار البيت الحرام؛ وبين الحلقة والقبر لم يتغير: هو ذلك المعلم الجالس في جامعه، وإنما اتسعت الأرض من حوله حتى صار جامعُه الدنيا.
فرحم الله فقيهَ عنيزة ومعلِّمَها رحمة واسعة، وجزاه عن كتاب الله الذي حفظه صبيًّا وفسَّره للناس شيخًا خيرَ الجزاء، وبارك في علمه المبثوث في الصدور والأشرطة والدواوين، وجمعنا به في مستقر رحمته، ورزق الأمة من أمثاله من يعلِّمها دينها بالدليل والرحمة.
سجل المصادر
- القسم العلمي في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
كُتبت هذه الصياغة يوم الأحد 16 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 30 من أغسطس 2026 م، على ما في ترجمته المعتمدة من أخباره؛ وسيرة أمثاله أوسع مما يجمعه كاتب، فما لم يُذكر هنا فمن ضيق الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ علم بأخباره فليلحقه مشكورًا.






