محمد ناصر الدين الألباني

محمد ناصر الدين الألباني
الاسم الكاملمحمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني
الكنيةأبو عبدالرحمن
الميلاد1333 هـ / 1914 م - أشقودرة، ألبانيا
الوفاة22 جمادى الآخرة 1420 هـ / 2 أكتوبر 1999 م - عمّان، الأردن
البلدألبانيا
الجنسيةسوريا
الإقامة الأخيرةعمّان، الأردن
شيوخه
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • نوح نجاتي الألباني
  • سعيد البرهاني
  • محمد بهجت البيطار
  • محمد راغب الطباخ
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • سلسلة الأحاديث الصحيحة
  • سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة
  • إرواء الغليل
  • صفة صلاة النبي ﷺ
  • تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد
القسمدعاة وعلماء
الفئاتأهل السنة

الإمامُ، الحافظُ، الحجّة، ناقدُ الآثار وبصيرُ الأسانيد، ناصرُ السُّنّة ومُحيي معالم الرواية في المتأخرين: أبو عبد الرحمن، محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي الألباني؛ الأرناؤوطيُّ محتداً، الدمشقيُّ نشأةً وتخريجاً، العمّانيُّ مدفناً ومستقراً.

وُلد بمدينة أشقودرة عاصمة ألبانيا سنة 1333 هـ (1914 م)، ثم هاجر به والدُه وهو طفلٌ إلى دمشق فراراً بدينه من طغيان الإلحاد؛ وتوفي رحمه الله بعمّان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1420 هـ (2 أكتوبر 1999 م)، وقد ناهز الثامنة والثمانين من عمره، بعد مسيرةٍ ملأت طباقَ الأرض علماً وتحقيقاً.

نشأ في كنف والده -وكان فقيهاً متقناً من علماء الحنفية تخرّج في معاهد إستانبول- فأخذ عنه أوائلَ العلوم، وحفظ القرآن برواية حفصٍ مجوَّداً على يديه، وأخذ الفقهَ واللغةَ عن كبار علماء الشام كالعلامة سعيد البرهاني، ونال الإجازةَ في رواية الحديث عن مؤرخ حلب ومحدثها الشيخ راغب الطباخ. ثم فتح الله على قلبه محبةَ دواوين السنة وعلوم الحديث، فانصرف إليها بكليته؛ جامعاً بين بركة التلقي الأصيل ودأب الباحث المحقق الذي أنفق بياضَ نهاره وسوادَ ليله في دهاليز «المكتبة الظاهرية»، يقلّب المخطوطات البالية، وينفض الغبار عن أسفار السلف المنسية، حتى استقرّت في صدره علومُ الرواية والرجال درايةً ورواية.

وقد قيّض الله له في مبدأ عيشه كسبَ يده من صنعة تصليح الساعات؛ فاجتمعت له دقةُ النظر في الصنعتين: صانعٌ ماهر يضبط أجزاء الوقت ودقائق التروس بيمينه، وجهبذٌ ناقد يزن عللَ الروايات ورجالَ الأسانيد بميزان الجرح والتعديل في يقظة ذهنه؛ فلم تكن معاركه طلباً للشهادات الرسمية والمناصب الدنيوية، وإنما كانت استنقاذَ عمرٍ كامل صُرف في غربلة تراث النبوة، وتمييز صحيحه من سقيمه، بلسانٍ صادعٍ بالحق لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا يبالي بمن وافق أو خالف متى استبان له الدليل.

وموضعه من تاريخ الإسلام في قرنه أنه أحيا صناعةَ الحديث بعد أن كادت تصير أثراً بعد عين؛ فردّ علم التصحيح والتضعيف، ونقد الرجال، وعنايةَ الفقيه بصحيح الرواية إلى حياة الأمة ومحاريب العلم، بعد أن غلب الجمودُ على كثيرٍ من المتأخرين. فغدا مرجعَ الديار في هذا الفن وحاملَ رايته، وطبّقت شهرتُه الآفاق بسلسلتيه المباركتين «الصحيحة» و«الضعيفة»، وسائر مصنفاته التي أعادت للأثر هيبته. ودعا إلى تجريد التوحيد، ونبذ التعصب المقيت، وربط الأحكام بالسنن الثابتة مع حفظ أقدار أئمة الملة واجتهاداتهم؛ فلقي في سبيل ذلك ما يلقاه أئمةُ الأثر من الأذى، والتضييق، والافتراء، وذاق مرارةَ السجن والاعتقال في قلعة دمشق والحسكة صابراً محتسباً على هدي أئمة السلف.

قلتُ في ميزان الرجال: هو إمامُ هذا الشأن ومجددُ علومه في القرن الرابع عشر الهجري بلا منازع، بشهادة أكابر أقرانه وفحول زمانه -كالشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين- ممن لا يُجازفون في إطلاق الألقاب ولا يحابون أحداً. رجلٌ يُتلقى عنه علمُ الحديث والأثر باطمئنان الواثق بصرامته؛ نذر حياته لخدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونافح عن سنته حتى أظهرها الله على يديه، ومات وقد ترك ألوفَ المجلدات وتلاميذَ يملؤون أصقاع الأرض؛ فجزاه الله عن أمة الإسلام خيرَ ما جزى إماماً ناصرَ سنة نبيه ورعى أمانة دينه.

محتويات
  1. 1 الهِجْرَةُ بِالدِّينِ
  2. 2 صَنْعَةُ الدَّقَائِقِ
  3. 3 مَفْرَقُ الطَّرِيقِ
  4. 4 مِفْتَاحُ الظَّاهِرِيَّةِ
  5. 5 صَدْمَةُ التَّقْلِيدِ
  6. 6 مِحْنَةُ القَلْعَةِ
  7. 7 بَثُّ الأَثَرِ
  8. 8 دِيوَانُ التَّصْنِيفِ
  9. 9 شَهَادَةُ الأَئِمَّةِ
  10. 10 عَقِبُهُ ووَصِيَّتُهُ
  11. 11 جَنَازَةُ القَبُولِ
  12. 12 الخُلاصَةُ النِّهَائِيَّةُ
  13. 13 سجل المصادر

الهِجْرَةُ بِالدِّينِ

وُلد الإمامُ في كنفِ بيتٍ جمع بين رقةِ العيش وجلالةِ الديانة؛ وكان والده الحاج نوح نجاتي الألباني فقيهاً متبصراً، رَحَل في شبيبته إلى الأستانة - حاضرةِ الخلافة العثمانية يومئذ - فتخرّج في معاهدها الشرعية على كبار أئمتها، ثم عاد إلى أشقودرة ناصحاً ومعلماً ومفتياً، حتى صار مرجعاً تهوي إليه القلوب وتُعرض عليه النوازل.

ثم دهمت ألبانيا فتنٌ عمياء بتسلّطِ حاكمها أحمد زوغو؛ فسار بالبلاد في مسار التغريب القهري واقتفاءِ أثر كمال أتاتورك في تركيا بعد سقوط الخلافة؛ فألزم النساءَ بنزع الحجاب قسراً، وفرض على الرجال لباسَ الغرب ولبس القبعة الأوروبية، وأراد اجتثاثَ سمت الإسلام من حياة الناس.

فهنا تجلّت بصيرةُ الوالد الفطن وحميتُه لدينه؛ فأيقن أن المقام بين ظهراني التغريب هلكة، وأن الفتن إذا أقبلت أكلت البصائر، فعزم على الفرار بأهله وعقيدته، متوجهاً إلى مهاجر الأنبياء وموئل بركة الأمة: «دمشق الشام»، حاملاً بيمينه صبيه الصغير محمد ناصر الدين وهو يومئذ في نحو الثامنة من عمره.

وظلت هذه الهجرةُ الجليلة شامةً في قلب الإمام الألباني طوال حياته ونفحةً يلهج بشكرها؛ حتى قال رحمه الله بعد أن شاب في العلم عارضاه مستحضراً فضل والده:

«وبهذه المناسبة يحقُّ لي أن أقول شكراً لوالدي رحمه الله، الذي هاجر بأهله من بلده فراراً بالدين من ثورة أحمد زوغو، أزاغ الله قلبه، فجنيتُ بفضل الله بسبب هجرته إلى دمشق الشام ما لا أستطيع أن أقوم لربي بواجب شُكره ولو عشتُ عمر نوح».

قلتُ: هجرةُ أبٍ فقيرٍ واحد، فرّ بدينه في ليل الفتنة المظلم لا يدري ما تخبئه له الغيوب، فتح اللهُ بها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفقاً من العلم لا تسعه المجلدات؛ فكم من عبدٍ يفرُّ بعياله من بلاد الكفر وهو يظن أنه مجرد طريدٍ مستضعف، وفي يده جوهرةٌ ساقها الله به ليحيي بها معالمَ السنن في أصقاع الأرض، وتلك خبيئةُ الصدق مع الله: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.

صَنْعَةُ الدَّقَائِقِ

أتمَّ بدمشق دراسته الابتدائية في «مدرسة الإسعاف الخيري» بتفوقٍ ملحوظ؛ وكان لوالده نظرٌ فقهيٌّ خاص تجاه المدارس النظامية وما يخشاه على عقائد الناشئة فيها، فانتزعه منها مبكراً ليُشرف على تعليمه بنفسه؛ فوضع له برنامجاً شرعياً صارماً: علّمه فيه القرآن والتجويد، والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، حتى ختم حفظَ كتاب الله كاملاً برواية حفصٍ عن عاصم على يديه.

ولم يقتصر على والده، بل جلس في حِلَق كبار علماء دمشق؛ فقرأ على العلامة سعيد البرهاني كتاب «مراقي الفلاح» في الفقه، ومصنفاتٍ شتى في اللغة والبلاغة، ولازم دروسَ وندواتِ إمام الشام ومجددها في عصره العلامة محمد بهجت البيطار؛ وتلك محطاتٌ تقطع ألسنةَ من يزعمون جهلاً أنه نبتٌ بلا شيوخ.

ثم تلقف عن والده مهنةَ «إصلاح الساعات» فأتقنها حتى غدا من المبرزين فيها بدمشق؛ فكان يأكل من كسب يده، محققاً هدي الأنبياء والصالحين في الاستغناء عن أموال الناس، وموفراً لنفسه وقتاً شريفاً خلا فيه قلبه لمطالعة دواوين السنة.

وههنا وقفةُ إنصافٍ تصدع في وجوه الجُهال: فقد اتخذ نابتةُ هذا الزمان وخصومُ الأثر من حرفته هذه سبيلاً للهمز واللمز، وصاحوا في مجالسهم متندرين: «ما له وللحديث وإنما كان ساعاتياً».

فيا لله من عقولٍ رانَ عليها الجهلُ بسير السلف وتاريخ أئمة الملة؛ ألم يسمع هؤلاء الطاعنون بأعلام الأمة الذين تشرّفت بهم المحاريب فكانت ألقابُهم مشتقةً من كسب أيديهم الشريفة: كالقَفَّال، والزَّجَّاج، والصَّيْرَفِي، والخَفَّاف، والآجُرِّي، والصَّابُوني؟ ألم يبلغهم أن نبي الله داود كان حداداً، وأن زكريا كان نجاراً، وأن سيد الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم رعى الغنم وأكل من تجارته؟

إنما عابَ الصنعةَ من اعتاد أن يرتزق بدينه على موائد السلاطين، ومن لا يعيش إلا على فتات الوظائف والمخصصات؛ أما الألباني فكان رجلاً حراً شريف النفس، أصلح الساعات بيمينه ليشتري استقلالَ فتواه وقلمه، حتى لا يُملي عليه أحدٌ ماذا يصحح وماذا يُضعّف؛ فكانت حانوتُه الصغيرة في دمشق حصناً منيعاً لم تُدنّسه أموالُ الهبات ولا رشى السياسة.

ثم إن الله بحكمته جعل هذه الحرفةَ مِسبكاً صقلَ عقله؛ فمن عرف دقةَ تركيب الساعة، وحساسيةَ مسنناتها الميكروسكوبية، أدرك سرَّ براعة هذا الرجل في نقد أسانيد السنة؛ فعينٌ تدربت لعقودٍ على ملاحقة التروس الدقيقة واكتشاف الخلل الخفي في نبض الزمان، هي ذاتُها العينُ الفاحصة التي استعصت عليها عللُ الأسانيد، فكان لا يفوته تدليسُ مدلس، ولا انقطاعُ ثقة، ولا شذوذُ لفظٍ خفي في بطون المرويات.

مَفْرَقُ الطَّرِيقِ

كان والده رحمه الله شأنه شأن فقهاء عصره - يرى النجاةَ في التزام المذهب الحنفي، ويُحذّر ولده تحذيراً بالغاً من الاشتغال بعلم الحديث وتتبع الأسانيد، خشيةَ أن يزلّ فهمُه عن أقوال الأئمة.

غير أن المقادير كانت تسوق الشابَّ إلى شأنٍ آخر؛ فلما شارف العشرين من عمره، وقعت بين يديه أعدادٌ من «مجلة المنار» التي كان يصدرها العلامة السيد محمد رشيد رضا؛ وكانت مقالاتُها صيحةَ يقظةٍ تدعو إلى غربلة المرويات، ونبذ الدخيل والخرافة، والعودة بالأمة إلى نبع الوحي الصافي. فأصابت تلك الكلماتُ شغافَ قلبه، وأحدثت في مساره انعطافةً كبرى حسمت وجهته، فلم يلتفت عنها إلى غيرها ستين سنةً متصلة حتى لقي ربه.

ولم يكن دخوله هذا البابَ ترفاً نظرياً، بل ولجه بالبذل والمكابدة؛ وكان أولُ عملٍ حديثيٍّ خطّه بيمينه أن عكف على نسخ كتاب «المُغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» للحافظ العراقي، فكتبه حرفاً حرفاً بمداد قلمه، وعلّق عليه بحواشٍ تدل على بصيرته المبكرة.

وكانت تلك النسخةُ فاتحةَ فتوحِ الله عليه؛ إذ سحرته صنعةُ التخريج، وغدا علمُ الحديث شاغله الذي استبدّ بليله ونهاره، وبدأ اسمه يتردد في الأوساط العلمية بدمشق كفتىً يملك جرأةَ التحقيق ونَفَسَ المحدثين المتقدمين.

ثم اكتملت أركانُ بنيانه الفكري والعقدي حين غاص في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن القيم؛ فجمع بين دقة الأثر عند أهل الحديث، وقوة الحجة العقلية والتحرير الفقهي عند أئمة مدرسة السلف؛ فأدرك أن علم الحديث ليس مجرد رصفٍ للأسانيد، بل هو حراسةُ العقيدة، وتجريدُ التوحيد، ونفيُ الزيغ عن شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

مِفْتَاحُ الظَّاهِرِيَّةِ

لزمَ الإمامُ «المكتبةَ الظاهرية» بدمشق ملازمةً قلّ نظيرُها في المتأخرين؛ فكان يقضي فيها زهاء اثنتي عشرة ساعةً في اليوم، يرتقي السلالمَ الخشبية، وينفض الغبارَ عن بطون المخطوطات التي طواها الإهمالُ لقرون.

ولما رأت إدارةُ المكتبة صدقَ انقطاعه وعظيمَ أمانته، صنعت له ما لم تصنعه لأحدٍ من قبل: فخصّصت له غرفةً مستقلة لمدارسته وتصنيفه، ومنحته نسخةً خاصة من مفتاح دار الكتب الظاهرية؛ يدخل بها خزانةَ التراث متى شاء، ويخرج متى أراد، حتى في أيام العطلات الرسمية.

وكان هذا المفتاحُ في يد ذلك الشاب الدؤوب بمثابة إجازةٍ ربانية تفوق ألقابَ الأكاديميات؛ فالعلمُ إذا رأى من صاحبه صدقَ الطلب، فُتحت له الخزائنُ المغلقة، وسُخّرت له الأسباب.

وأما شيوخه الذين تلقى عنهم مفاتيحَ العلوم فكانوا أئمةً أعلاماً، بارك اللهُ في قِلّتهم ووضع لهم القبول:

  • والدُه الحاج نوح نجاتي الألباني: شيخُه الأول ومعلمُه الأكبر؛ حفظ عليه القرآنَ الكريم بالتجويد، وتلقى عنه الصرفَ والنحو، وفقهَ الحنفية، وأخذ عنه شرفَ الكسب بمهنة تصليح الساعات.
  • العلامةُ سعيد البرهاني: فقيهُ دمشق ومربيها؛ قرأ عليه في الفقه الحنفي كتاب «مراقي الفلاح»، ومصنفاتٍ متقنة في علوم البلاغة واللغة.
  • العلامةُ محمد بهجت البيطار: علامةُ الشام وأحدُ أئمة الإصلاح في زمانه؛ لازم الإمامُ دروسَه وندواته، وكان البيطارُ يُعظّم همةَ الألباني ويُثني على نصرته للسنة.
  • محدثُ حلب العلامة محمد راغب الطباخ: مؤرخُ الشهباء ومسندُها؛ التقى به واستحسن فطنته فأجازه إجازةً عامة في رواية الحديث وكتب السنة، وهي أرفعُ إجازاته المسندة.

قليلُ الشيوخ، عظيمُ الرسوخ، لا يُحصى تلاميذه ومحبوه في الآفاق؛ أخذ الأصولَ والمفاتيح عن شيوخ عصره، ثم انكبّ على دواوين السنة الكبرى يطالعها بروح الناقد البصير، حتى صار كأنه يجالس أصحابَ القرون الأولى ويخاطبهم من وراء القرون.

صَدْمَةُ التَّقْلِيدِ

حملَ الإمامُ رايةَ الدعوة إلى التوحيد الخالص والسنة النبوية في بلاد الشام؛ فزار مشايخَ دمشق في مساجدهم ودورهم، وجرت بينه وبينهم مناظراتٌ ومحاوراتٌ علمية عميقة في قضايا الاتباع، وتنقية العقائد من شوائب الشركيات والبدع، والتحذير من الغلو والتعصب المذهبي المقيت.

وكان يعقد مجلسين علميين في كل أسبوع، يؤمّهما طلبةُ العلم ونخبةٌ من أساتذة الجامعات والمثقفين؛ ثم وسّع دائرةَ البلاغ فكان يخرج في رحلاتٍ دعوية شهرية منتظمة، يطوف فيها بالمحافظات السورية كحلب، وحمص، واللاذقية، ثم امتدت جولاته إلى مدن الأردن؛ يُعلّم الناسَ سننَ الصلاة، ويُحرر لهم المسائلَ ببيان شواهدها من الكتاب وصحيح الأثر.

فهال ذلك أربابَ الجمود وقامت عليه قائمةُ غلاة المتعصبة ورؤوس الطرق؛ إذ وجدوا في دعوته إلى نخل الروايات، وتقديم النص الصحيح على ما استقر في الأعراف المتوارثة بلا تمحيص، إحراجاً لمكانتهم.

فلما أعيتهم الحجةُ وعجزوا عن مقارعة نصوص الصحيحين والسنن، لجأوا إلى حيلة المفلسين في كل زمان: فألّبوا عليه العامةَ في المجالس، وأشاعوا في الأسواق أنه «وهابيٌّ مبتدع يُسقط الأئمة». وتلك سُنةٌ ماضية في صراع الحق والتقليد؛ فالمتعصبُ إذا أعيته البينة، استعاض عن عجز دليله برشق الألقاب والتشنيع على صاحب الأثر.

وفي مقابل ذلك التحيّز، انبرى له كبارُ المحققين وأفاضلُ العلماء في دمشق - كالعلامة بهجت البيطار ومحب الدين الخطيب - فشهدوا له بالرسوخ، وشدّوا أزره، وأعلنوا براءته من تخرصات المبطلين؛ فما اجتمع على إنكاره منصفٌ يزن الأمور بالقسط، وإنما اشتد في خصومته من غلا في تقديس آراء المتأخرين وجعلها حاكمةً على السنن الثابتة.

مِحْنَةُ القَلْعَةِ

ولم يقف كيدُ الخصوم عند حدود التشويش ونشر الإشاعات في المجالس، بل رُفعت فيه التقاريرُ إلى السلطات؛ فجرّب الإمامُ مرارةَ الأسر والاعتقال في سبيل دعوته مرتين:

كانت الأولى حين أُودع في «قلعة دمشق» شهراً كاملاً؛ وهي القلعةُ التاريخية ذاتُها التي حُبس فيها شيخُ الإسلام ابن تيمية قديماً وفارق روحه فيها إلى بارئها؛ فسبحان من يُعيد المشاهدَ ويُجري المحنَ متشابهةً على حَمَلة الأثر قرناً بعد قرن؛ كأن حجارةَ ذلك الحصن العتيق قُدِّر لها أن تشهد على ثبات دعاة السنة أمام بطش الجاهلين.

ثم تكرر البلاءُ سنة 1387 هـ، فقِيد إلى «سجن الحسكة» في أقصى الشمال السوري، فقضى في عتمة الزنزانة ثمانيةَ أشهرٍ كاملة؛ بعيداً عن أهله وولده، ومحروماً من حانوته ومكتبته.

وسلْ تاريخَ الرجال: ماذا يصنع المحدثُ الفحل إذا حِيل بينه وبين رفوف الكتب؟ لم يستسلم لليأس، ولم يقضِ أيامه في الشكوى والضجر؛ بل حوّل عتمةَ السجن إلى صومعةٍ للتحقيق، وانكبّ في محبسه على إنجاز مشروعه في تحقيق «مختصر صحيح مسلم» للحافظ المنذري؛ فخرّج أحاديثه، وحرّر ألفاظه، وضبط متونه من حفظه ووعيه، وخرج من وراء القضبان حاملاً في يده سفراً حديثياً محققاً تزدان به المكتبة الإسلامية.

وتلك لعمرو الله هي شيمةُ ورثة النبوة وعلوُّ الهمم الصادقة؛ أقوامٌ إذا أُغلقت في وجوههم أبوابُ الدنيا، فتح اللهُ في قلوبهم أبوابَ الفتوح، فصارت المحنةُ عندهم خلوةً للمدارسة، والسجنُ فراغاً نافعاً للعلم، لا عطلاً ولا انقطاعاً عن العمل.

بَثُّ الأَثَرِ

اُختير الإمامُ سنة 1381 هـ لتدريس علوم الحديث وفقه السنة في «الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة» إبّان تأسيسها، فجاور الحرمَ النبوي الشريف ثلاث سنوات؛ وكانت أيامه هناك من أبهى مراحل حياته العلمية، بثّ فيها علومَ الرواية والتحقيق الحديثي بين طلابٍ وفدوا من شتى أصقاع الأرض، وظلت تلك الأيامُ منقوشةً في قلبه بمحبةٍ بالغة حتى نوّه بفضلها في وصيته عند دنو أجله.

ثم دُعي سنة 1388 هـ للإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا بجامعة مكة، وتولى بين سنتي 1395 و1398 هـ عضويةَ المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة، مسهماً في توجيه مسارات التعليم الشرعي.

ولم يقعد به التفرغُ للتأليف عن أداء واجب البلاغ؛ فجابَ أقطارَ الأرض داعياً ومعلماً ومحاضراً؛ فطاف ببلدان الخليج كقطر والكويت والإمارات، والتقى بالجاليات والطلبة المسلمين في إسبانيا بدعوةٍ من اتحادهم الطلابي، وزار عدةَ دولٍ أوروبية يربط مغتربيها بهدي السلف.

وكان محلَّ ثقةٍ وإجلالٍ لدى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ فانتدبه موفداً من قِبله للدعوة وإلقاء المحاضرات في مصر، والمغرب، وبريطانيا؛ فكان حيثما حلّ بذرَ بذورَ فقه الحديث، حتى قلّ أن تجد إقليماً في العالم الإسلامي إلا وتخرّج فيه من نهل من علمه أو تأثر بكتبه.

ومن أبرز الأعلام والباحثين الذين أخذوا عنه وتأثروا بمنهجه:

  • مقبل بن هادي الوادعي: محدثُ الديار اليمنية وباعثُ دار الحديث بدماج.
  • إحسان إلهي ظهير: العالمُ الباكستاني الشهير وفارسُ المنافحة عن السنة في بلاد الهند والباكستان.
  • علي بن حسن الحلبي: من ألصق تلاميذه به في الشام وعمّان، ومن حَمَلة تراثه.
  • مشهور بن حسن آل سلمان: الباحثُ والمحققُ المعروف.
  • محمد جميل زينو: الداعيةُ والمربي صاحبُ المصنفات النافعة السائرة.

فتأمل كيف بارك اللهُ في خطى هذا المهاجر الصابر؛ انطلق فرداً مستضعفاً في أزقة دمشق، فما مات حتى تخرّجت به أجيالٌ من العلماء، وصارت مجالسه ومصنفاته معقداً لطلاب الحديث من مشرق الأرض إلى مغربها.

دِيوَانُ التَّصْنِيفِ

أغنى الإمامُ خزانةَ الإسلام بتراثٍ زاخر؛ فخلّف للمسلمين ما يربو على مئةِ مصنفٍ ما بين تأليفٍ مبتكر، وتخريجٍ محرر، وتحقيقٍ لعيون المخطوطات؛ طُبعت مصنفاتُه عشراتِ الطبعات في عواصم الأرض، وتُرجم كثيرٌ منها إلى شتى اللغات كالإنجليزية، والفرنسية، والأردية، والإندونيسية.

وكانت كتبُه بمثابة محطاتٍ فارقة خدمت الفقهَ الإسلامي وعززت بنيانه بصحيح المرويات؛ ومن أجلّ تلك الأسفار:

  • «سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها»: الصرحُ الجامع في نصرة الأثر، وعمدةُ المعاصرين في تمييز الثابت من هدي النبوة مقروناً بالفقه العملي.
  • «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة»: الغربالُ الكاشف الذي نقّى الفكرَ الإسلامي من آلاف المرويات الساقطة والمكذوبة التي راجت على المنابر لقرون.
  • «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل»: ديوانُ التخريج الفقهي الأكبر في العصر الحديث؛ جمع فيه بين دقة الأسانيد وفقه الأحكام على نحوٍ لم يُسبق إليه منذ قرون الحفّاظ.
  • «صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها»: أوسعُ كتبه انتشاراً وأعظمُها بركة؛ قرّب به هديَ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إلى عامة المسلمين وخاصتهم، جامعاً تفاصيلَ أفعاله الشريفة بالروايات الثابتة المحررة.
  • «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»: الحصنُ العقدي في حماية جناب التوحيد، ونقضِ مظاهر الغلو في الصالحين وبناء المساجد على الأضرحة.
  • تحقيقاتُه الفذة لكبريات الأمهات: كـ «مشكاة المصابيح»، و«التعليقات الرضية على الروضة الندية»، و«تمام المِنة في التعليق على فقه السنة».

ولم يكن رحمه الله مجرد باحثٍ منكفئٍ على قراطيسه، بل كان معلماً ومربياً يبتدئ مع الطلاب من أمهات المتون؛ فدرّسهم في العقيدة كتاب «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد»، وفي الفقه المقارن «الروضة الندية» للشوكاني و«فقه السنة»، وفي مصطلح الحديث «الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث»، وفي مدارك النظر «أصول الفقه» لخلاف.

قلتُ: هذا نتاجُ رجلٍ لم تكن له دولةٌ تتبنى مشروعه، ولا وزارةٌ تفرغه للتأليف؛ وإنما كان يقتطع الوقتَ من ساعاتِ نومه وحانوته الصغير؛ فبارك اللهُ في قلمه ومداده، حتى أضحت كتبُه مراجعَ لا يستغني عنها قاضٍ، ولا فقيه، ولا طالبُ علمٍ في مشارق الأرض ومغاربها.

شَهَادَةُ الأَئِمَّةِ

أجمعَ محققو العصر على أن الإمام الألباني أعاد للأمة هيبةَ القرون المفضلة؛ حتى قال غيرُ واحدٍ من أهل النظر: إنه ردّ إلى الأذهان عصرَ الحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، وأضرابهم من أساطين الجرح والتعديل.

وتوّج هذه الشهاداتِ إمامُ العصر وسماحةُ مفتيه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بكلمته السائرة:

«ما رأيتُ تحت أديم السماء عالماً بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني».

ولما سُئل ابن باز عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث مجددٍ على رأس كل مئة سنة ومَن يكون مجددُ هذا العصر، أجاب بلا تردد: «الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني، والله أعلم».

قلتُ في ميزان الشهادات: وابنُ باز إمامُ أهل السنة في زمانه ومرجعُ الأمة؛ رجلٌ رزينُ اللسان، لا يجازف بالألفاظ ولا يبذل الألقاب لذي جاه، فإذا شهد لمحدثٍ بالتفرد والتجديد، فتلك شهادةٌ ترجح بالجبال وتخرس ألسنةَ الطاعنين.

وقد تتابعت شهاداتُ كبار المحققين على هذا النهج:

  • قال مفتي الديار السعودية الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: «وهو صاحبُ سُنّةٍ ونصرةٍ للحق، ومصادمةٍ لأهل الباطل».
  • وقال العلامة الفقيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «ذو علمٍ جمٍّ في الحديث روايةً ودراية، وإن الله قد نفع بما كتبه كثيراً من الناس من حيث العلمُ والمنهاج».
  • وقطع الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد كلَّ مراءٍ بقوله: «ارتسامُ علمية الألباني في نفوس أهل العلم ونصرتُه للسنة أمرٌ لا يُنازع فيه إلا عدوٌّ جاهل».

وكان علامةُ التفسير واللغة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي يُعظمه إجلالاً بالغاً؛ فكان إذا رآه مارّاً وهو يلقي درسه في المسجد النبوي الشريف، قطع مجلسَه وقام على قدميه إكراماً له وسلّم عليه.

فتأمل في موازين الرجال: إمامُ التفسير وصاحبُ «أضواء البيان» ينهض من مجلس درسه ليُسلّم على رجلٍ كان في صباه مصلحَ ساعاتٍ مهاجراً؛ فما قام لمنصبٍ سياسي، ولا لجاهٍ دنيوي، وإنما قام لإجلال نورِ السنة النبوية الذي استقرّ في صدر الألباني؛ وهكذا يعرف أهلُ الفضل فضلَ أهله.

وفي عام 1419 هـ (1999 م)، مُنح «جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية»، تقديراً لجهوده الجليلة في خدمة الحديث النبوي دراسةً وتخريجاً وتحقيقاً عبر مصنفاته التي جاوزت المئة؛ فجاءته الجائزةُ في خريف عمره وهو في بيته بعمّان زاهداً فيها، فما سعى إليها يوماً ولا طلب من الدنيا ثناءً ولا تكريماً.

عَقِبُهُ ووَصِيَّتُهُ

رُزق الإمامُ رحمه الله باثني عشر ولداً من ثلاث زوجات، وحرص في تسميتهم على تجريد التعبيد لأسماء الله الحسنى؛ وتجلّت دقةُ نظره الحديثي حتى في اختيار أسمائهم، فقال عن تسمية ابنه «عبد المصوِّر»:

«ما أظن أحداً سبقني إليه على كثرة ما وقفتُ عليه من الأسماء في كتب الرجال والرواة».

فهي عينُ المحدّث الفاحصة التي طوّفت في فهارس «التهذيب» و«الميزان» وكتب الأنساب، فلم يفتها أن تظفر باسمٍ شريفٍ غفل عنه الناس.

ولما دنا رحيلُه وأحسّ بدنوّ الأجل، سطّر بيده وصيتَه الخالدة، فكانت وثيقةً ناطقةً بتجريده للاتباع وزهده في الدنيا؛ وجاء فيها:

«أوصي زوجتي وأولادي وأصدقائي وكلَّ محبٍّ لي إذا بلغه وفاتي:

  • أولاً: أن يدعو لي بالمغفرة والرحمة، وألا يبكوا عليّ نياحةً أو بصوتٍ مرتفع.
  • ثانياً: أن يعجّلوا بدفني، ولا يخبروا من أقاربي وإخواني إلا بقدر ما يحصل بهم واجبُ تجهيزي.
  • ثالثاً: أختار الدفنَ في أقرب مكان، لكي لا يُضطر من يحمل جنازتي إلى وضعها في السيارة، وأن يكون القبرُ في مقبرةٍ قديمة يغلب على الظن أنها لا تُنبش.
  • وأوصي بمكتبتي كلها - مطبوعِها ومصوّرِها ومخطوطِها - لمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ لأن لي فيها ذكرياتٍ حسنة في الدعوة للكتاب والسنة على منهج السلف الصالح يوم كنت مدرساً فيها».

قلتُ مستلهماً ختامَ العِبرة: هذه وصيةُ عبدٍ صدقَ مع ربه؛ عاش للسنة النبوية ستين عاماً، وأبى إلا أن يموتَ على محضِ السنة؛ فلا مظاهرَ ولا نياحة، ولا تأخيرَ للمواراة طلباً للمواكب والحشود، ولا بناءَ على القبور؛ وأما ميراثُه الذي جمعه عبر ثمانية عقود - وهي خزانةُ كتبه التي لا تُقدّر بمال - فما استأثر بها لورثته، بل جعلها وقفاً جارياً في مدينة نبيه صلى الله عليه وسلم، لتبقى صدقةً جاريةً ينتفع بها كلُّ طالبِ أثرٍ إلى يوم الدين.

جَنَازَةُ القَبُولِ

أسلمَ الإمامُ رُوحه إلى بارئها قبيلَ مغيب شمس يوم السبت، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1420 هـ (الموافق الثاني من أكتوبر 1999 م)، بعد عمرٍ حافلٍ بحراسة السنن ونفي الدخيل عن دين الله.

وعملاً بوصيته الصارمة في التعجيل بمواراته، انبرى أهلُ بيته وتلاميذه لتجهيزه؛ فأَمَّ المصلين عليه تلميذه ورفيق دربه الشيخ إبراهيم شقرة، وحُمل النعشُ على الأكتاف في سويعاتٍ معدودة ليُوارى الثرى في مقبرةٍ قديمة على جبل الهملان بعمّان، مجاورةٍ لبيته، قبل أن ينتصف الليل.

وكان أهله قد كتموا نبأ وفاته عمداً، فلم يُذع في إعلام، ولم يُنشر في صحيفة، ولم يُخطر به إلا النفرُ القليل ممن يقوم بواجب الغسل والدفن؛ حرصاً على إنفاذ رغبة الإمام في أن تكون جنازتُه صامتةً محتسبة، خاليةً من المواكب والمظاهر.

فما راعَ المشيعين إلا والآلافُ تتقاطر على المكان من كل حدبٍ وصوب في عمّان وما جاورها؛ تداعوا كالسيل في ليلتها، يُعلم بعضُهم بعضاً بالهواتف وكلمات التواصي، حتى احتشد في المقبرة ما يربو على خمسة آلاف مصلٍّ، سدّوا الطرقات وضاقت بهم جنبات الجبل، وجاؤوا يرجفون بالدعاء والترحم.

قلتُ مستحضراً كلمةَ الإمام أحمد بن حنبل: «قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز»: تأمل في خبيئة الصدق مع الله ومع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ رجلٌ أراد لنفسه الخفاءَ ومحضَ الاتباع حتى في لحظة دفنه، واشترط ألا يُخبر بموته أحد، فأبى اللهُ إلا أن يضع له القبولَ في قلوب عباده، فساق إليه تلك الجموعَ الحاشدة في جنح الظلام سِراعاً، ليشهدوا وداعَ من أنفق ثمانين عاماً من عمره ينفي الكذبَ عن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويُنقي سنته من شوائب الزائغين.

وتلك لعمرو الله هي أمارةُ القبول الخالدة: جنازةٌ كُتمت أسبابُها في الأرض، فتنزلت دواعيها من السماء، لتكون شهادةَ صدقٍ على لسان الأمة لمن عاش ومات خادماً للأثر.

فرحم الله أبا عبد الرحمن الألباني رحمةً واسعة، وأجزل مثوبته في عليين، وجزاه عن نصرة سنة نبيه خيرَ ما جزى به أئمةَ الهدى، ورزقنا من صدق العمل وخبيئة الإخلاص ما يُغنينا عن كل ناعٍ ودعايةٍ يوم تُبلى السرائر.

الخُلاصَةُ النِّهَائِيَّةُ

إمامٌ عَلَمٌ في الحديث وعلومه، انتهت إليه في زمانه رياسةُ نقد الأسانيد، والتمييزُ الصارم بين صحيح الأخبار وسقيمها؛ بشهادة كبار أئمة العصر وفحول المحققين، لا بمجرد دعاوى المحبين والمريدين.

نفع اللهُ بمصنفاته وتحقيقاته أجيالاً في المشرق والمغرب، وأحيا به في الأمة العنايةَ بتمحيص المرويات ونبذِ التعصب المقيت، مع حفظ حرمة أئمة الفقه، وصبر في ذات الله على بهتان الخصوم، ومكائد الحساد، وعتمة السجون، حتى أظهر اللهُ دعوته وأعلى منار السنن على يديه. وهو في فنه حجةٌ راسخة؛ فما استغنى عن سلاسله وتخريجاته طالبُ علمٍ يروم معرفةَ الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدخيل والمكذوب عليه.

وقد جرت حياته على نسقٍ فريد يأخذ بمجامع القلوب؛ بدأ مسيرته صبياً مهاجراً فارّاً بدينه من بطش دولةٍ تنزع حجابَ العفيفات بالقوة، وختمها شيخاً زاهداً وقوراً يُوصي ألا يرفع أحدٌ صوته بالبكاء عليه وألا يُبنى على قبره حجر؛ وما بين البداية والنهاية ثمانون عاماً من البذل، وغرفةٌ خشبية في زاوية المكتبة الظاهرية، ومئةُ مصنفٍ تحرس الوحي، وتلاميذُ يحملون رايته في كل صِقع. ما ورث عن أبيه درهماً ولا ديناراً، وإنما ورث صحةَ الديانة وشرفَ الكسب من تصليح الساعات، فأدّى بهما للأمة ما ناءت به كبرى المجامع والهيئات.

فاللهم اغفر لعبدك محمد ناصر الدين الألباني، وارحمه رحمةً واسعةً تملأ أقطار السموات والأرض، وأكرم نزله في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجزه عن سنة نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم التي أنفق عمره ونبض قلبه في تنقيتها وحراستها خيرَ ما جزيتَ به إماماً نافحَ عن دينك وذبّ الكذبَ عن حوض نبيك، وأجرِ عليه ثوابَ مداده وكتبه ما انتفع بها تالٍ وطالبُ أثرٍ إلى يوم الدين، واجمع بينه وبين من أفنى العمرَ في خدمة أحاديثهم: نبيك الأمين وصحبه الغر الميامين، وتجاوز بكرمك عما اجتهد فيه فأخطأ، فأنت تعلم أنه ما أراد إلا وجهك والذبَّ عن شرعك، واهدنا بهديك وثبتنا على الصراط المستقيم.

سجل المصادر

  • «حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه» للشيباني
  • «تعطير الأنام بترجمة العلامة الألباني» لأبي عبد الله الرحماني

كُتبت هذه الترجمةُ يوم الأحد السادس عشر من شهر ربيع الأول لعام 1448 هـ (الموافق الثلاثين من أغسطس 2026 م)، وفق ما استقر عليه النقلُ الثابت والشهاداتُ الراسخة في سيرته العطرة. وأخبارُ إمامٍ كالألباني أوسعُ من أن يستوعبها مسطور، وأجلُّ من أن يُحيط بها ملف؛ فما قصرت عنه هذه السطورُ فمرده إلى عجز القلم وحدود الجمع، لا إلى ضيق سيرة الرجل ومآثره؛ فمن كان لديه زيادةُ علمٍ موثقٍ بأخباره فليُكرمنا بها؛ والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تحديث لها في . طول السيرة نحو 3961 كلمة.