عبد الرحمن دمشقية | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية |
| الميلاد | حي رأس النبع، بيروت، لبنان؛ 11 يونيو 1957 م |
| البلد | لبنان |
| الإقامة | بليموث، بريطانيا |
| المهنة | كاتب ومناظر وإمام مسجد |
| التخصص | نقد الفرق والمذاهب والرد على الشيعة الإمامية والأحباش والصوفية |
| أبرز الأعمال | القائمة…[إظهار][إخفاء]
|
| القسم | متصدرون |
| الفئات | أهل الضلال، غلاة التبديع |
الكاتبُ المتصدر للمجادلة، والمناظرُ الذي نقض تاريخه بلسانه، عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية. وُلد ببيروت في الحادي عشر من يونيو سنة 1957 م، وإليه انتهت رئاسة غرف الحوار في الرد على الفرق ببلده في وقت من الأوقات، قبل أن ينقلب سهمه إلى صدور أهل السنة.
أمّ مسجدًا صغيرًا تابعًا لمؤسسة تحلية المياه بالرياض أربعًا وعشرين سنة، ثم انتقل إلى بريطانيا، فهو اليوم إمامُ مسجد التقوى بمدينة بليموث، وقد جاوز التاسعة والستين.
أمضى أربعين سنة من عمره يقارع الشيعة الإمامية والأحباش والصوفية، وصنف في كشف عوارهم المجلدات، ونافح عن أئمة الإسلام. ثم لما رقّ عظمه وكبر سنه، التحق بركب الغلو الحدادي، فصار يطعن في علماء الأمة، ويقف في الصف الذي يفعل بالإمامين النووي والسيوطي وأبي حنيفة ما أنكره هو نفسه على الأحباش فعله بشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومقامه من زمانه أنه ظهر في مرحلة تمدد فيها مشروع الأحباش في لبنان، وزحف فيها التشيع عبر الفضائيات ومنتديات الإنترنت الأولى؛ فكان ترساً في نحورهم، وتلقف الشباب كتبه وردوده. ثم انتقل من مناظرة الكبراء في أصول الدين، إلى مماحكة الأحداث في فروع المسائل، واستبدل بالبحث العلمي مهاترات البثوث المباشرة.
وهو الرجل الذي لا يحتاج خصمه إلى الرد عليه؛ فيكفيه أن يضع كتبه القديمة إلى جوار مقاطعه الجديدة، ليقرأ كيف يهدم عبد الرحمن الشيخ ما بناه عبد الرحمن الشاب. وكتبُه القديمة اليوم شاهدةٌ عليه، وهي أثقلُ شهادةٍ تُقام على رجل.
محتويات
النشأة والبيت الأول
وُلد عبد الرحمن دمشقية في بيروت سنة 1957 م، في حي رأس النبع، ثم نشأ في منطقة طريق الجديدة، في شارع حمد بحي قصقص. وهذه أحياءٌ سُنّيةٌ شعبيةٌ في قلب العاصمة، مكتظةٌ بالناس، فقيرةٌ في الغالب، تشتبك فيها الطوائف اشتباكًا يوميًّا لا يحتاج إلى تنظير.
وبيروتُ في صباه مدينةٌ تتهيأ للانفجار. الفلسطينيون في مخيماتها بعد سنة 1948 ثم بعد سنة 1970، والشيعة يصعدون من الجنوب إلى الضاحية، والموارنة في مواقعهم، والأحزابُ تتسلح على مرأى من الدولة. ثم اشتعلت الحرب الأهلية في أبريل سنة 1975 وله ثمانيةَ عشرَ عامًا، فقضى شبابه الأول في بلدٍ يقتتل أهله على الهوية الطائفية في بطاقة التعريف.
ومن هنا يبدأ فهمُ الرجل. فإن الذي يشبّ في بيروت السبعينيات لا يتعلم علم الكلام في كتاب، وإنما يراه في الشارع: هذا سنّي وهذا شيعي وهذا درزي وهذا ماروني، والانتماءُ حياةٌ أو موت. والنشأة في لبنان في ذلك العصر تعني الاحتكاك المبكر بخطاب الشيعة الإمامية المدعوم سياسيًّا، وبفرقة الأحباش أتباعِ عبد الله الهرري التي جعلت الطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية وفي أئمة السنة شغلها الشاغل، وأخذت تتمدد في المساجد والجمعيات وتنازع أهلها عليها. فنشأ في بيئةٍ تُعلّم صاحبها أن الدين معركةُ صفوف، وأن أولَ ما يُسأل عنه الرجل: من أنت؟ ومع من أنت؟
وحيُّ طريق الجديدة الذي نشأ فيه هو قلبُ بيروت السنية، ومنه خرج جيلٌ كاملٌ من الشبان في تلك الحقبة إلى الجمعيات والمساجد والأحزاب، كلٌّ يبحث عن رايةٍ يقف تحتها. وأهلُ السنة يومئذٍ في موضعٍ صعب: أقليةٌ سياسيةٌ بين طوائف مسلَّحة، ومرجعيةٌ دينيةٌ مبعثرة. فمن نشأ من شبانهم على شيءٍ من العلم وجد نفسه مدفوعًا إلى الدفاع لا إلى البناء، وإلى الردّ لا إلى التأصيل. وهذه أول ثنيةٍ في طريق الرجل.
ومن هذا المرجل الطائفي تبلورت اهتماماته المبكرة. رأى الخطر يحدق بعوام أهل السنة، فجعل همته في تتبع مقالات الفرق، وجمع مثالبهم، والرد عليهم.
التكوين العلمي وفحص الأهلية
قدِم إلى المملكة العربية السعودية سنة 1979 م، وأول عملٍ عمله هناك كان في مكتبة دار طيبة. رجلٌ في الثانية والعشرين، خرج من حربٍ أهلية، فوقف بين رفوف الكتب.
وسنةُ 1979 ليست سنةً كسائر السنين في تاريخ المنطقة: فيها قامت الثورة الإيرانية في فبراير فصار للتشيع دولةٌ تصدّر مذهبها، وفيها احتُلّ المسجد الحرام في نوفمبر على يد جماعة جهيمان فاهتز الداخل السعودي، وفيها دخل السوفييت أفغانستان في ديسمبر ففُتح باب الجهاد الأفغاني. فالشابُّ اللبناني الذي وصل الرياض في تلك السنة وصل إلى بلدٍ يتهيأ لعقدٍ من الاستقطاب الديني الحاد، ووصل ومعه من بيروت حسٌّ طائفيٌّ لا يحتاج إلى من يوقظه.
باحثٌ نشط في تتبع المقالات، فقيرٌ في التلقي على الركب. هذه الجملة تلخص التكوين العلمي لدمشقية.
لم يُعرف له شيخ من العلماء الراسخين لازمه سنوات طوالا، ولا حلقة علم أخذ فيها الأصول متدرجا؛ وإنما هو تكوين متأخر، وقراءة عصامية أورثت سعة في الاطلاع على كتب الفرق، وحرمته من سمت العلماء وضبطهم.
أما الألقاب الأكاديمية التي يُصدّر بها اسمه، فقد نال الماجستير سنة 1997 م من (مدارس الوفاق الإسلامية) في باكستان، ببحث عن (الطريقة النقشبندية). وحصل على الدكتوراه سنة 2006 م من (الجامعة الأمريكية المفتوحة) في الولايات المتحدة، برسالة عنوانها (استدلال الشيعة بالسنة النبوية في ميزان النقد العلمي)، وكلتاهما بدرجة امتياز كما يذكر في سيرته.
ولقب (الدكتور) الذي يُقدَّم به ينبغي أن يُعرف مصدره على وجه الدقة، لأنه يُستعمل في تقديمه على أنه سندٌ علمي. فالجامعة المفتوحة ومدارس الوفاق مؤسسات تعليمية لها جهدها، ومقاعد بحث لا مقاعد تلقّ وتزكية. والفرق عظيم بين شهادة تُنال ببحث من جامعة مفتوحة، وبين إجازة ينالها طالب العلم من شيخ راسخ يشهد له بالأهلية والديانة ويأذن له في الكلام في الرجال. وهذا الفقر في التلقي المباشر هو الآفة التي تضرب جذور المدرسة الحدادية كلها؛ إذ يتصدرون لمحاكمة كبار علماء الأمة، وليس لأحدهم سند علمي متصل يزكيه.
قلتُ: والذي يعنينا من هذا ليس الطعن في ورقة، وإنما تحرير ما تُعطيه الورقةُ وما لا تُعطيه؛ فبين الشهادة والتلقي على الشيوخ فرقٌ في الجنس لا في الدرجة. ولهذا لا تجد في سيرته المنشورة بقلمه، على طولها وتفصيلها، اسمَ شيخٍ واحدٍ لازمه سنين وأذِن له؛ تجد فيها الوظائف والمؤهلات والكتب، ولا تجد سلسلةَ أخذ. وهذا هو الباب الذي يُدخَل منه على من يتصدّر للحكم على أعيان الأئمة.
وههنا سؤالٌ يفرض نفسه على من قرأ سيرته بقلمه: أين الشيوخ؟ فإن الرجل أقام بالرياض سبعًا وعشرين سنة، والرياضُ يومئذٍ فيها ابن باز وابن جبرين والغنيمان والبراك ومجالسُهم مفتوحة بعد كل صلاة، ولم يكن بينه وبينها إلا أن يمشي إليها. ثم لا تجد في سيرته المفصَّلة اسمَ واحدٍ منهم، ولا حلقةً حضرها، ولا كتابًا قرأه على أحد. وأنا لا أنفي أن يكون له شيوخٌ لم يذكرهم؛ لكني أذكر ما في سيرته وما ليس فيها، فإن السيرة التي يكتبها الرجل بنفسه تدلّ عليه بما تسكت عنه كما تدلّ عليه بما تنطق به.
وأما وظيفته فمسجدٌ صغيرٌ تابعٌ لمؤسسة تحلية المياه بالرياض، لبث فيه إمامًا أربعًا وعشرين سنة. ثم كان انتقاله إلى بريطانيا سنة 2006 أو نحوها، فأقام إمامًا في إدنبرة ثم في بليموث، ومنها أدار معاركه الرقمية عبر غرف (البالتوك) القديمة، ثم عبر قناته على منصة يوتيوب.
وبليموثُ مدينةٌ ساحليةٌ في أقصى جنوب غرب إنجلترا، ليس فيها من المسلمين إلا القليل، ولا فيها مجلسُ علمٍ ولا أقران. فالرجل في العشرين سنةً الأخيرة إمامُ مسجدٍ صغيرٍ في طرف الجزيرة البريطانية، ليس حوله من يراجعه ولا من يردّه، وأمامه شاشةٌ تصله بمئات الآلاف. وقد غادر بيروت في الثانية والعشرين فلم يعد إليها مقيمًا، فهو خارج بلده منذ سبعٍ وأربعين سنة؛ وأثرُ الغربة الطويلة في الرجال معروف: تجعل الوطن فكرةً في الرأس لا مكانًا تحت القدم، وتجعل الانتماءَ إلى طائفةٍ أشدَّ إلحاحًا من الانتماء إلى بلد.
صعود الاسم وبناء المشروع
صعد دمشقية لسد حاجة ماسة في زمانه. ففي أواخر التسعينيات والعقد الأول من الألفية، كانت الفضائيات ومنتديات الشبكة تضج بشبهات الرافضة، وكان الأحباش يبسطون نفوذهم في مساجد لبنان؛ فنهض دمشقية وصنف مصنفات سارت بها الركبان، من أبرزها:
- (موسوعة أهل السنة في نقد أصول فرقة الأحباش ومن وافقهم في أصولهم): تقع في مجلدين وتجاوزت ثلاثة آلاف صفحة، وهي من أجمع ما كُتب في تفنيد هذه الفرقة.
- (المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية ورد مفتريات الفرقة الحبشية): دافع فيه عن الإمام ابن تيمية دفاعا مجيدا.
- كتبه في نقد الإمامية: (التكفير عند الشيعة)، و(آيات يستدل بها الشيعة)، و(حوار هادئ بين السنة والشيعة).
- تحقيقاته وفهارسه: (فهارس شرح معاني الآثار)، و(فهارس التلخيص الحبير).
وكان في هذه المرحلة جنديا من جنود السنة، ينافح عن الحياض، ويجمع شتات الأقوال، ويفضح الباطنية والقبورية.
حين أدار البندقية إلى الداخل
في مقطع مرئي بثته قناة دمشقية قبل سنوات، ظهر دمشقية وقد اشتعل رأسه شيبا، يجلس أمام الكاميرا، ليقرر الطعن في علماء الأمة، ويتحالف مع رؤوس الحدادية الجدد أمثال محمد شمس الدين وعبد الله بن فهد الخليفي.
كانت تلك اللقطة إعلانا صريحا بانقلاب المسار. جلس الرجل الذي أفنى شبابه في الرد على مكفري الصحابة ومكفري ابن تيمية، ليشارك في مجالس تُسقط الإمام النووي، وتطعن في الحافظ ابن حجر العسقلاني، وتغمز في الإمام أبي حنيفة. استدارت فوهة البندقية من صدور الروافض إلى صدور أئمة السنة، وتحولت الغيرة على التوحيد إلى امتحانات بدعية ومحاكم تفتيش في نوايا الأموات.
ومن أراد أن يعرف من أين تجيء هذه الانتكاسات، فليعلم أنها لا تجيء من تغيّر العقيدة أولًا. تجيء من تعوّد اللسان على الإساءات وسوء الخلق، وأشياء أخرى لا يعلمها إلا الله.
الالتحاق بالرَّكب
والحدادية تيار غلو يقوم على جعل التبديع والتجريح محور الدين، وإسقاط العلماء بالزلات، وتضييق دائرة أهل السنة حتى لا تكاد تتسع لغيرهم. وهي فرقةٌ حديثةُ النشأة، ظهرت في أواخر القرن الرابع عشر الهجري على يد محمود أحمد الحدّاد المصري. عمل الحدّاد أولًا مع ربيع المدخلي في تتبع زلات المعاصرين، ثم انفصل عنه لأنه رآه مقتصرًا على تبديع الأحياء، فأراد أن يتجاوز إلى الأموات. ودعا إلى حرق كتب النووي وابن حجر، وطعن في أبي حنيفة، وطعن في ابن تيمية لأنه لم يكفّر الأشاعرة. فتصدى له كبار أهل العلم: ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وبكر أبو زيد، والفوزان، وحذّروا منه، وطُرد من السعودية.
ثم بُعثت الفرقة في زمن الشبكة على يد جيلٍ جديد: عبد الله بن فهد الخليفي مؤصِّلًا من وراء ستار، ومحمد شمس الدين واجهةً إعلاميةً من ألمانيا. وبلغ الأمر بهم إلى تكفير النووي وابن حجر وأبي حنيفة وتبديعهم، كلٌّ بحسب رأيه، هذا يكفّر وهذا يبدّع، والتصريحِ بتكفير الحافظ السيوطي، ونبزِ من يحترم العلماء بأنه (مُدجَّن).
وفي هذا الركب التحق عبد الرحمن دمشقية، بعد أن جاوز الخامسة والستين، أي في حدود سنة 2022 وما بعدها. انتكس إلى مؤازرة صبيان الحدادية والمداخلة الجدد في التكفير، وصاروا يستعينون بشِيبته لدعمهم في الهجوم على كبار الأئمة مثل النووي؛ وبذلك ناقض نفسه بعدما كان يعدّ النووي إمامًا من أئمة السنة.
وأعِد قراءة كلمتين مما تقدم: يستعينون بشِيبته. لم يكن للرجل عندهم علمٌ يُستفاد ولا تأصيلٌ يُبنى عليه؛ كان له شَيبٌ يُستعار. جيلٌ من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات يحتاج إلى وجهٍ كبيرٍ يقف خلفه، فوجدوا شيخًا في السبعين له أربعون كتابًا وسمعةُ أربعين سنة، فوضعوه في الواجهة. ثم تتابعت سقطاته؛ فبعد تحريضهم له وتلقينه تكفيرَ العلماء وتبديعَهم، تجاوزهم هو إلى التصريح بكفر السيوطي والقشيري والجويني والغزالي وابن حجر الهيتمي وجماعةٍ من الأئمة لم يصرّح محمد شمس نفسُه بتكفيرهم.
وأقلُّ ما يقال في هذه المفارقة: أنه ذهب إليهم شيخًا، فأقعدوه تلميذًا، ثم لقنوه، فصار أشدَّ منهم في باب التكفير.
ما نُسب إليه في الأئمة
وهذه أثقل أبواب هذه الترجمة، وأولى ما يُتحرّى فيه اللفظ.
فالثابتُ الذي لا نزاع فيه أن رأس الفرقة اليوم، محمد شمس الدين، هو الذي بدّع النووي وابن حجر وأبا حنيفة وصرّح بتكفير السيوطي، وأن الخليفي هو الذي أصّل لذلك في كتبه. وأما دمشقية فوقف في صفّهم وناصرهم وردّ على مخالفيهم، ثم كفّر جماعةً من الأئمة بأعيانهم. والرجل الذي أنفق عمره في الرد على الفِرَق يعرف علامات الغلوّ ويعرف إلى أين تنتهي، ثم اختار أن يقف معهم وهو يراها.
تكلم في الإمام النووي واتهمه باختراق أهل السنة، بل قال: لعلي أخطأتُ حين لم أكفّر النووي. ثم تجاوز إلى الكلام في تلميذه الإمام ابن العطار، وأُفردت له في ذلك ردودٌ مصورة، منها حلقةٌ لقناة مكافح الشبهات في كشف ما رأت أنه تحريفٌ لنقلٍ عن ابن العطار. وأكثرُ من تصدّى له في هذا الطور من أهل السنة أنفسهم.
وبلغ به الأمر إلى إثبات صفةٍ لله تعالى لم ترد في كتابٍ ولا سنة، ونُقل عنه قولُه: (النار حَوَت رِجل الله)، تعالى الله عمّا يقولون.
ولا بد ههنا من تحريرٍ يعرف به القارئ موضعَ النزاع. فإن حديث وضع الرب جل وعلا قدمَه في النار حديثٌ في الصحيحين، وإثباتُ القدم لله على ما يليق بجلاله مذهبُ أهل السنة، لا نزاع فيه. وإنما موضع الإنكار في اللفظ الزائد: قولُه (حَوَت)؛ فإن الحوايةَ إحاطةٌ واحتواء، والله سبحانه لا يحويه شيءٌ من خلقه، ولم يقل أحدٌ من السلف إن النار احتوت شيئًا من الله.
فالباب في الصفات موقوفٌ على النص: يُثبَت ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، بلا تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيل، ولا يُزاد فيه حرف. ومن زاد فقد تكلّم في الله بغير علم. وهذه مقالةٌ منكرةٌ باطلة، ويلزمه الرجوع عنها والتصريح بذلك.
كتبه شاهدةٌ عليه
وليس بعد هذا حجةٌ يُحتاج إليها. ضع كتبَه القديمة إلى جانب موقفه الجديد، ثم اقرأ.
أولًا: أشهرُ ما نقمه على الأحباش أنهم يطعنون في شيخ الإسلام ابن تيمية ويخرجونه من أهل السنة بمسائل في الصفات، حتى أفرد لذلك كتابًا مستقلًّا. وكانت حجته عليهم أن العالم البحر لا يُسقط بمسألة خالف فيها، وأن الإمامة في الدين لا تُنقض بالخطأ التأويلي. ثم انقلب فصار يردد مقالات غلاة التبديع في الإمامين النووي وابن حجر، فأسقط قاعدة العدل التي احتج بها على خصمه، وأقر للحدادية بما أنكره على الحبشية.
القاعدة التي كان يحتج بها على خصمه صارت اليوم حجةً عليه.
ثانيًا: كتب (ظاهرة التكفير في مذهب الشيعة الإمامية)، يجعل التكفير علامةً على الفرقة الضالة ويعيبها به. ثم صار في صفٍّ عنوانُه تكفيرُ الأشاعرة بالجملة وتكفيرُ جماعةٍ من الأئمة.
ثالثًا: حقّق رسالة (تحريم النظر في كتب علم الكلام)، وكتب (التصدع في المذهب الأشعري)، وكل ذلك في تقرير أن الحق في الوقوف عند النص وترك الزيادة عليه. ثم نُسب إليه أن يزيد في الصفات ما لم يرد.
رابعًا: فهرس التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر. والذي يفهرس كتابًا لإمامٍ يعرف قدره؛ ثم وقف في الصف الذي يبدّع ابن حجر ويكفّره.
خامسًا: كتب (التحريفات الحبشية: تلاعب الأحباش بكتب المؤلفين)، وموضوعُه أن يبيّن كيف يُبتر النقلُ عن الإمام ليُحمَّل ما لا يحتمل. ثم صار اليوم يُردّ عليه بالتهمة نفسها في نقله عن ابن العطار.
فليس التناقض عنده في مسألةٍ واحدةٍ تُلتمس له فيها المعاذير. هو في خمسة أبوابٍ متباينة، وفي كل بابٍ كتابٌ بخطه.
وأنت خبيرٌ بأن الرجل لو أراد أن يردّ على نفسه ما احتاج إلى غير مكتبته. يكفيه أن يفتح فهرس كتابه في تبرئة ابن تيمية، ثم يضع مكان اسم ابن تيمية اسمَ النووي، ومكان اسم الحبشي اسمَ صاحبه اليوم، ثم يقرأ.
سجل التناقض المنهجي
ومآخذه في هذه المرحلة ليست زلات عابرة، بل تناقضات منهجية تهدم مشروعه من القواعد:
المهاترات واللغة الهجومية: عاب على الفرق لغتهم الفاحشة وطعنهم، ثم اتخذ السب واللغة الهجومية وسيلة دعوية. فامتلأت مقاطعه بالسخرية، والتهكم، والألفاظ التي يترفع عنها آحاد طلبة العلم فضلا عمن تصدر للدعوة. وصار يقضي الساعات الطوال في مماحكات البث المباشر التي تورث قسوة القلب وتفرق الصف. التحالف مع أئمة الجرح العاري: انضمامه إلى شمس الدين والخليفي وأمثالهما علامة فارقة. والرجل الخبير بالفرق يعرف غلاة التجريح من لحن قولهم، فلما ارتضى الجلوس في خندقهم، ومجاراتهم في سفاهة الأسلوب وسوء الأخلاق مع المخالفين؛ سقط عنه عذر الجهل، وثبت عليه الرضا بالمنهج.
الاحتماء بالماضي: صار يستعمل ماضيه في الرد على الفرق درعا يحتمي به من النقد، فكلما رُد عليه باطله احتج بأنه قاهر الشيعة وقامع الأحباش. والقاعدة أن المعيار هو القول الحاضر ودليله؛ فما وافق الحق منه قُبل، وما خالفه رُد، ولا يشفع لصاحبه رصيد قديم يخالف فيه منهج السلف.
قف عند هذا التناقض وقفة، واحسب ما بين زمانين: زمان كان يذود فيه عن عرض ابن تيمية، وزمان صار ينهش فيه عرض أبي حنيفة والنووي. واعلم أن الانتكاسة لا تستأذن، وأن العبد قد يعمل بعمل أهل الحق حتى ما يكون بينه وبين القبر إلا ذراع، ثم تغويه الخصومة فيختم له بعمل أهل الباطل.
الأثر والمآل
صعد دمشقية بكتب كشفت عوار الباطنية والقبورية، وسقط بصحبة أحداث أسقطوا أئمة السنة. أما كتبه الأولى فبقيت مرجعا في بابها، يُستفاد منها في نقض مقالات الأحباش والشيعة، وهي حق في ذاتها لا يضره ما طرأ على مؤلفها من تغير، ولا يملك أحدٌ محوها ولا يملك هو نفسه محوها.
وأما أثره المعاصر، فهو أنه شرعن للشباب الغر لغة التطاول على العلماء، وجعل المهاترات الرقمية بديلا عن التزكية العلمية، وصار بوقا لتيار يمزق أهل السنة باسم الدفاع عن السنة. وثمرته تلميذٌ يخرج من مجالسهم وقد تعلّم أن أول ما يفعله بكتاب (شرح صحيح مسلم) أن يسأل: أمؤلفُه سلفيٌّ أم أشعري؟ وهذا هو الضرر الذي يبقى؛ فإن الرجل يموت وتبقى العادةُ التي علّمها.
الخلاصة النهائية
قلتُ: والذي يتقرر في حال عبد الرحمن دمشقية أنه باحث نشط، ومناظر جريء، له في كشف الرافضة والأحباش يد بيضاء، وعليه في الطعن على أئمة السنة والغلو في التبديع وزر لا يُدفع. حادُّ اللسان في خصومته، ضيّقُ الصدر عن مخالفه، سريعُ المباهلة والتكفير والتبديع. وهاتان الكفتان فيه معًا منذ ثلاثين سنة، والذي جدّ في آخر عمره أن الكفة الثانية أكلت الأولى.
وأخصُّ ما يُوصف به: أنه أُتي من جهة الأداة لا من جهة العقيدة. فإنه تعلّم صنعةَ نقض المذاهب وهو شاب، وأتقنها، وعاش عليها أربعين سنة، حتى صارت هي عينَه التي ينظر بها. فلما نظر إلى إخوانه من أهل السنة رآهم مذهبًا يُنقض، ولما نظر إلى أئمة الأمة في قبورهم رآهم كذلك. ومن أدمن آلةً واحدةً صار كل شيءٍ في يده يصلح لها.
ولا يُنزَّل في فئة أهل البدع المفارقين للسنة، فليس هذا موضعَه، ولا يُكفَّر ولا يُخرَج من الإسلام، ولا يجوز أن يُعامَل بمثل ما عامل به غيره. غير أن غلوّه في التبديع والتجريح غلوٌّ ثابتٌ بمادةٍ متكررة، ويُسمّى غلوًّا بلفظه، ولا يُلطَّف بلفظ (الشدة) ولا (الغيرة)؛ فإن الغيرة لا تُنتج الطعن في النووي وتكفير السيوطي والغزالي والجويني والقشيري وغيرهم، وإنما يُنتجه فسادُ الميزان.
فيُنتفع بكتبه القديمة بعينها: موسوعتُه في الرد على الأحباش، وكتبُه في نقد الإمامية، وفهارسُه العلمية. ويؤخذ منها بميزان الدليل كما يُؤخذ من كتب سائر الناس.
ولا يُتابَع فيه بعينه: موقفُه من أئمة الإسلام وما وقف فيه مع الطاعنين فيهم، وطريقتُه في الخصومة من السب والدعاء على المخالف والمباهلة عند أول نزاع، وما نُسب إليه في بعض الصفات.
ولا يُتلقّى عنه اليوم الحكمُ على العلماء ولا على الأعيان، ولا يُبنى على كلامه في الرجال هجرانٌ ولا تبديع؛ فإن الرجل في هذا الباب فاقدٌ للميزان الذي يُتلقى به هذا العلم، وهو نفسُه قد قرر في كتبه ما ينقض ما صار إليه. فهو في المحصلة ليس عالما يؤخذ عنه الاعتقاد أو يُرجع إليه في تقييم الرجال، بل هو متصدر للمجادلة، أصاب في قمع الفرق المارقة، وانحرف حين جعل رمي العلماء بالبدع صناعته.
وهكذا تنتهي مسيرة من اعتاد حلبات الملاكمة؛ إن لم يجد وحشا خارجيا يقاتله، التفت فقاتل أهل بيته.
وههنا موضع العبرة. رجلٌ في التاسعة والستين، أنفق عمره في الذبّ عن السنة، حتى إذا شاب رأسُه وجاء وقتُ الحصاد، صار عمودًا يُستند إليه في هدم ما بناه، ووُضع اسمُه على حملةٍ يشتم فيها الشبانُ إمامًا كتب (رياض الصالحين) وإمامًا كتب (فتح الباري). وهو يظن أنه ينصر التوحيد.
فيا أيها القارئ الذي يقرأ هذه السطور وهو في أول الطريق، ويرى في نفسه غيرةً على السنة: هذه هي الغيرةُ إذا لم يحرسها علمٌ وحلم، تأخذ صاحبها أربعين سنةً في الطريق ثم تلقيه في آخره حيث لا يشعر. ونسأل الله العافية لنا وله، فما يأمن أحدٌ من فتنةٍ تدخل عليه من باب الحق.
اللهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلوبنا على دينك، وارددْ عبدك عبد الرحمن بن محمد سعيد إلى ما كان عليه من نصرة السنة والذبّ عن أئمتها. اللهم إنه أفنى شبابه في الدفاع عن إمامٍ رُمي في عقيدته، فقيّض له من يردّه إلى تلك القاعدة نفسها قبل أن يلقاك. اللهم اجعل ما بقي من عمره في نشر علمٍ نافعٍ لا في إسقاط رجال، وفي جمع الصف لا في تفريقه؛ واقطع عن الأمة شرّ ما أصّله القوم، وردّ من اغترّ بشِيبته إلى الحق ردًّا جميلًا، وارحم أئمةَ الإسلام الذين نالتهم الألسنُ بعد موتهم، واجزهم عن الأمة خير الجزاء.
سجل المصادر
من كلامه ومن سيرته المنشورة بقلمه:
- السيرة الذاتية على موقعه الرسمي: المولد والحيّ، والمؤهلات بتواريخها ودرجاتها، والوظائف، وقائمة المؤلفات، وخبر مكتبة دار طيبة وأول مواجهة مع الأحباش ودخول البالتوك.
- (موسوعة أهل السنة في نقد أصول فرقة الأحباش ومن وافقهم في أصولهم).
- (المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية ورد مفتريات الفرقة الحبشية)، و(التحريفات الحبشية)، و(التكفير عند الشيعة)، و(ظاهرة التكفير في مذهب الشيعة الإمامية)، و(التصدع في المذهب الأشعري)، وتحقيقه لرسالة (تحريم النظر في كتب علم الكلام)، وفهارسه العلمية.
- مقاطعه المرئية على قناته الرسمية في يوتيوب ومشاركاته في البثوث المشتركة.
المصادر الناقدة:
- شبكة مكافح الشبهات، حلقة (محمد شمس يكشف ضعف الدمشقية العلمي)، 31 مايو 2024، وحلقات في مسألة النقل عن ابن العطار.
- موسوعة الحدادية: ملفّ عبد الرحمن دمشقية، والخط الزمني للفرقة من محمود الحدّاد إلى اليوم.
- مصطفى الشرقاوي، (هل الحدادية فرقة مبتدعة أم من أهل السنة والجماعة؟)، 18 سبتمبر 2024، وفيه نسبة قول (النار حَوَت رِجل الله) إليه.
- بيانات وردود طلبة العلم عليه في مسألة الغلو في التبديع.
المصادر المقابلة في الميزان:
- جواب موقع الإسلام سؤال وجواب في موقف أهل العلم من الحافظين ابن حجر والنووي.
كُتبت هذه الترجمة يوم الجمعة 15 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 28 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من سيرته المنشورة بقلمه ومؤلفاته ومقاطعه ومصادره المتاحة إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قولٍ أو رجوعٍ فله حكمه، ونسأل الله أن يكون أولُ تعديلٍ يلحق هذه السيرة رجوعَه عمّا التحق به وعودتَه إلى ما كان عليه من الذبّ عن أئمة السنة، ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحح فيها فليُتحفنا به.






